عندما تصبح الدولة خيالاً… والحزب هو الحاكم، استقيلوا.. وأعيدوا ما تبقى من كرامة

03/06/2026 - 04:27 AM

Arab American Target

 

شبل الزغبي

في إيران، يكاد لا يسمع أحد باسم الرئيس إلا في نشرات البروتوكول. القرار الحقيقي لا يخرج من القصر الرئاسي، بل من دائرة المرشد ومؤسساته الأمنية، حيث تتحول الدولة إلى واجهة، والسلطة الفعلية إلى منظومة مغلقة تقرر الحرب والسلم والاقتصاد ومصير الشعب. هناك يقاتل الحرس الثوري، ويتراجع الجيش إلى الظل، وتصبح الجمهورية شكلاً بلا روح، وواجهة بلا سيادة.

المأساة أن هذا النموذج نفسه يُستنسخ في لبنان بصورة أكثر عبثية وإيلاما، مع تكرار المسخرة ذاتها لكن بنكهة أشد مرارةً وأكثر إذلالاً. رئيسٌ يتزيّن بمنصبه كما تتزيّن الواجهات الفارغة بالأضواء، ومجلس وزراء يجتمع ويتداول ويختلف ويتفق ثم لا يقرر شيئاً، لأن القرار يصدر من مكان آخر لا يعلو عليه علمٌ لبناني ولا تُضيئه شمس بيروت. الدولة بكاملها، بمؤسساتها وجيشها وقضائها، باتت هيكلاً خشبياً يُحرّكه حزب إيراني لا يخجل أن يُعلن ولاءه لطهران على الملأ، بينما يتظاهر أنه يحمي لبنان. جيشٌ أُريد له أن يكون درعاً للسيادة آثر الصمت، فأصبح طيفاً يمشي في الممرات الرسمية دون أن يملأها.

والمفارقة المبكية أن هذا الحزب ذاته الذي يرفع شعار "المقاومة" حتى يكاد يُمزّقه من كثرة الترديد، لا يتوقف لحظةً عن إذلال الدولة اللبنانية ليل نهار. يُهينها بتصريحاته، يتجاوزها بقراراته، يُقحمها في حروب لم تختَرها ولم تطلبها، ثم يلتفت إليها بابتسامة الفاتح ليطلب منها أن تشكره على ما يسمّيه حماية. حماية من؟ ولمن؟ لبنان الذي أُنهكت بنيته التحتية، وأُحرقت عاصمته، وجُوِّع شعبه، وأُفرغت مصارفه، ونزح ثلثه إلى كل أصقاع الأرض؟ هذه ليست حماية، هذا ما يسمّيه التاريخ احتلالاً بأسماء ملتوية.

الأشد إيلاماً أن هؤلاء الجالسين على رأس المؤسسات اللبنانية يعرفون كل هذا، يعرفون أنهم لا يحكمون، ويعرفون أن قراراتهم تُطوى قبل أن تُنفَّذ، ويعرفون أن الحزب الإيراني لا يُعنى بلبنان إلا بمقدار ما يخدم أجندة طهران. ومع ذلك يبقون. يبقون في كراسيهم بلا كرامة ولا حياء، يتعاملون مع الأمر الواقع كما يتعامل المستسلم مع سجانه، يبتسمون في الصور الرسمية ويُوقّعون الوثائق، وكأن التوقيع بحد ذاته فعل سيادي، وكأن الجلوس على الكرسي وحده دليلٌ على الكرامة التي غادرتهم يوم نقضوا خطاب القسم والبيان الوزاري.

من يمتلك ذرة من الكرامة السياسية في مثل هذا الموقف لا يبقى، " خيال صحرا " بل يرمي المفاتيح على الطاولة ويقول بصوت عالٍ: لا أستطيع أن أحكم بلداً لا أملك فيه قرار الحرب والسلم، لا أستطيع أن أُمثّل شعباً بينما تُزجّ حياته في حسابات لا شأن لها بمصلحته. الاستقالة في هذا السياق ليست هرباً من المسؤولية، بل هي آخر ما تبقى من كرامة يمكن إنقاذها، لأنها تقول الحقيقة بصوت مسموع وتُسمّي الأشياء بأسمائها، وتمنح الشعب اللبناني ما يستحقه: أن يرى بأم عينيه من يحكمه فعلاً، ومن يتلاعب بمصيره دون أن يَمثُل أمام أي محاسبة.

أما هؤلاء المختلون الذين يُشغّلون منظومة الحزب الإيراني الارهابي في لبنان ودمائهم ممزوجة بالأيديولوجيا الخمينية وإن وُلدوا على أرض لبنانية، فعقولهم المسكونة بخطاب المقاومة الالاهية عاجزة عن استيعاب حجم الكارثة التي يصنعونها، لأن من يؤمن بأن الجنة تُفتح بإشعال الحرائق وتدمير الذات لن يرى في الرماد إلا تلاوةً للنصر. يرتكبون المآسي بحق شعبهم أولاً قبل أي عدو، يُفقّرونه ويُهجّرونه مشرداً على الطرقات ويُزجّون بأبنائه في معارك لا تعنيهم، ثم يصفقون لأنفسهم أمام المرايا. يدمّرون وطناً كان يمكن أن يكون نموذجاً، ويُحوّلون شعباً عريقاً إلى رهينة في صراعات لا تنتهي.

لبنان يستحق أكثر من هذا بكثير. يستحق دولةً تقرر، وجيشاً يحمي، ومؤسسات تعمل، وسياسيين يتكلمون بلسان أهلهم لا بلسان الولي الفقيه. ويستحق شعباً بهذا العمق الحضاري أن يُخبر العالم: نعم، نحن هنا ما زلنا نقاوم لكننا نقاوم من يدمر وطننا بكذبة تحريره.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment