لبنان في قلب الصراع: ما وراء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران

03/05/2026 - 15:13 PM

Prestige Jewelry

 

 

 رشيد ج. مينا

إن جولات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المتجددة مع إيران، والتي سبق تناول أهدافها وتداعياتها في مقال سابق، لم تبقَ محصورة في حدود المواجهة بين هذه الأطراف، بل امتدت آثارها إلى كامل الإقليم. فقد انعكست هذه المواجهة على دول الخليج العربي التي كانت قد شهدت تحسنًا ملحوظًا في علاقاتها مع إيران في إطار تفاهمات متقدمة، لكنها رغم ذلك لم تسلم من تداعيات الصراع، إذ تعرضت لمخاطر مباشرة وغير مباشرة زادت من حالة عدم الاستقرار وعمّقت تعقيدات المشهد الإقليمي.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى جرّ لبنان مجددًا إلى أتون الصراع، مع توسع نطاق العدوان الإسرائيلي وما يراد تحقيقه من أهداف بدأت تتوضح أكثر فأكثر تحت عنوان سلاح حزب الله. غير أن ما يجري وما يُعمل له يتجاوز هذه المسألة بكثير، إذ يواجه لبنان اليوم تهديدًا وجوديًا في ظل محاولاته المتكررة للنهوض ومعالجة أزماته الداخلية وبناء دولته.

إن السياسات التي تنتهجها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب تعكس ممارسة تقوم على فرض الإرادة بالقوة، من دون أي اعتبار لسيادة الدول أو للقانون الدولي والشرعية الدولية. وقد تجلى ذلك بوضوح في تعريض دول الخليج العربي ولبنان لمخاطر متزايدة. فالسياسات الأمريكية لا تنطلق من مراعاة مصالح الدول العربية أو غيرها، بل من أولوية مطلقة لمصالحها الاستراتيجية، وفي مقدمتها حماية إسرائيل ودعم توسعها واستمرار اغتصابها لفلسطين على حساب حقوق العرب ومصالحهم.

وما كان لهذا المسار أن يبلغ ما بلغه لولا غياب المشروع العربي الجامع وافتقاد آليات التنسيق والتكامل الفاعلة بين الدول العربية. إن غياب موقف عربي موحد، إضافة إلى غياب أنظمة حكم رشيدة تعزز الوحدة الوطنية الشعبية في إطار الانتماء العربي الأوسع، جعل المنطقة أرضًا خصبة للتدخلات الخارجية وتمدد النفوذ، سواء من إيران أو من إسرائيل، في ظل دعم أمريكي من جهة، أو تغاضٍ مقصود من جهة أخرى طالما أن النتائج تصب في خدمة الأهداف الاستراتيجية لواشنطن.

في هذا السياق، فإن ما يتعرض له لبنان اليوم، وما يشهده من صراع إقليمي يدور على أرضه، يتجاوز بكثير مسألة سلاح حزب الله، رغم أهمية معالجة هذه القضية ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية. فالمشهد يشير إلى استكمال مخطط توسعي أوسع تتردد في سياقه أفكار عن إقامة حزام منزوع السلاح والسكان، بما يجعل لبنان مهددًا بأن يتحول إلى غزة أخرى في معادلات الصراع.

أما ما أُعلن عنه مؤخرًا تحت عنوان مجلس السلام الذي ترأسه ترامب، فلا يبدو أكثر من منصة استعراضية يراد توظيفها كغطاء سياسي، فيما تبقى الأهداف الفعلية أبعد من مجرد توسيع ما يسمى «الاتفاقات الإبراهيمية».

أمام هذا الواقع، يصبح اللبنانيون، كما العرب عمومًا، مدعوين إلى إعادة الاعتبار للوحدة الوطنية والموقف العربي المشترك في مواجهة التحديات المتصاعدة. فلبنان يبدو اليوم أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى، وكل التحركات الدولية لن تكون كافية لكبح اندفاعة الولايات المتحدة وإسرائيل ما لم يقابلها تحرك عربي فاعل.

إن الوحدة الوطنية الشعبية في لبنان، وتوفير مقومات الصمود، إلى جانب بلورة موقف عربي جدي وحازم يترافق مع إجراءات سياسية واقتصادية ودبلوماسية مؤثرة، هي وحدها القادرة على الحد من الاندفاع الأمريكي الطائش ومن الدعم غير المحدود لإسرائيل.

فالحضور العربي الفاعل لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. إذ لا يعقل أن يبقى مصير المنطقة مرهونًا بما تقرره القوى المتصارعة — الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران — وفق مصالحها وأهدافها، فيما يقف العرب خارج معادلة تقرير مستقبلهم.

إنقاذ لبنان يبدأ بوحدته الوطنية، ويكتمل بحضور عربي فاعل يعيد للعرب دورهم في تقرير مصيرهم.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment