بركات شاهين
معاناة السوريين ليست حكايةً عابرة في سجلّ السياسة، بل فصلٌ طويل من الألم ارتبط بسلطةٍ حكمت لعقود، حتى تماهى الوطن مع العائلة، والدولة مع الحاكم. في ظل حكم آل الأسد، تراجعت السياسة إلى دائرة الولاء، وتقلّصت المواطنة إلى حدود الصمت، وغدا الخوف لغةً يوميةً يتقنها الجميع. تحوّلت الحقوق إلى امتيازات، والكرامة إلى مطلبٍ مؤجّل، فيما دفعت الأجيال أثماناً باهظة من دمها وكرامتها واستقرارها.
الهدف الأول الذي لا يجوز القفز فوقه هو الاعتراف الصريح بهذه المعاناة: لا مصالحة حقيقية دون عدالة، ولا مستقبل مستقر دون قراءة شجاعة للماضي. فالشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى، كما قال جبران خليل جبران: قد ننسى من أضحكنا، لكننا لن ننسى من أبكانا. وسوريا أُبكيت طويلاً.
أما الهدف الثاني، فهو أن لا تتحول أي حكومة تنشأ باسم الثورة إلى نسخةٍ معدّلة من النظام الذي ثار عليه الناس. إن تبديل الوجوه مع الإبقاء على العقلية ذاتها ليس تغييراً، بل إعادة إنتاج للأزمة. الثورة لم تكن طلباً للسلطة بقدر ما كانت طلباً لدولة؛ دولة قانون ومؤسسات، لا دولة أفراد وشبكات نفوذ. وأي سلطة لا تخضع للمساءلة، ولا تؤمن بالتعددية، ولا تعترف بالشراكة الوطنية، إنما تسير في الطريق ذاته وإن رفعت شعارات مختلفة.
الهدف الثالث، والأكثر عمقاً، هو التغيير الجذري في بنية الدولة ذاتها: دستورٌ يعكس إرادة الشعب، فصلٌ حقيقي بين السلطات، قضاءٌ مستقل، جيشٌ يحمي الحدود لا السياسة، ومؤسسات تُبنى على الكفاءة لا على الولاء. إن ما تحتاجه سوريا ليس إصلاحاً تجميلياً، بل إعادة تأسيس على قاعدة المواطنة والعدالة. وكما أظهرت تجارب تاريخية كبرى مثل الثورة الفرنسية ، فإن التحول الحقيقي يبدأ حين يُعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، فيصبح الشعب مصدر السلطات لا موضوعها.
إن سوريا التي أنهكها الاستبداد تستحق دولةً تليق بتضحيات أبنائها. دولةً لا تُدار بالخوف، بل بالقانون. لا تُحكم بالوراثة، بل بالتفويض الشعبي. ولا تُقاس فيها قيمة الإنسان بمدى صمته، بل بمدى مشاركته.
فالمعركة اليوم ليست فقط لإسقاط ماضٍ ثقيل، بل لبناء مستقبل مختلف.
مستقبلٍ يُنهي زمن الخوف، ويفتح باب الدولة التي يحلم بها السوريون: دولة لكل أبنائها، لا على أحدٍ منهم.










03/05/2026 - 14:56 PM





Comments