د. فهيم الشايع
نحن نحب الفكرة التي نحملها عن أنفسنا، فكرة أننا عادلون، أننا نقف مع المظلوم، أن قلوبنا تميل تلقائيًا إلى الرحمة، نكرر هذه الصورة كثيرًا حتى تبدو حقيقة، لكن الحقيقة أقل راحة بكثير.
نحن لا نرى أنفسنا كما نحن…
بل كما نحتاج أن نكون.
حين نصادف ضعيفًا يُظلم، نشعر بالانقباض، نتعاطف سريعًا، نغضب، نعلن موقفًا، فنظن أن هذه أخلاق، لكن ما يحدث في الداخل أقدم من الأخلاق بكثير، العقل البشري لا يتحرك أولًا بدافع الفضيلة، بل بدافع البقاء، حين يرى إنسانًا يُسحق، لا يرى مأساة مجردة، يرى احتمالًا.
في هذا المشهد يدق ناقوس خطره متخيلاً نفسه لو اختلت موازين القوة، يأسره خوفه القديم من أن يكون في هذا الموضع، فنندفع لنصرة الضعيف، ليس لأننا أرفع من غيرنا، بل لأننا نشبهه، نعم هو كذلك، هل توقفت وتأملت قليلاً – في هذه الفكرة المرعبة - كل مشاعر الاشمئزاز تجاه الظالم، ومشاعر عدم الرضا والتي تصل إلى الكره، عقلنا ينتجها بطريقة احترافية، ينتج هذا الكم فقط لأن الظالم يشبهنا، ليس لأننا رحماء؛ لهذا يبدو العالم أحيانًا متفقًا على نصرة الضعفاء، لكن هذا الاتفاق لا يكشف نقاءً أخلاقيًا بقدر ما يكشف خوفًا مشتركًا، نحن لا نحب الظلم؛ لأننا لا نحب أن نكون ضحاياه، والعقل ذكي بما يكفي ليحوّل هذا الخوف إلى موقف أخلاقي نبيل، فنصدق الحكاية.
الوهم يبدأ حين نعتقد أن هذا هو امتحان الأخلاق، ليس كذلك، امتحان الأخلاق لا يحدث حين يكون الضعيف بعيدًا عنا، ولا حين يكون الظالم شخصًا لا يمسّ حياتنا، الامتحان يبدأ حين نكون نحن داخل النزاع، حين يصبح الضعيف خصمًا، هنا يتغير كل شيء بهدوء، فجأة لا يسيطر ضعفه على المشهد، يرعبنا خطره، لا تنكسر روحنا لهشاشته، يزعجنا احتمال خسارتنا، لا نرى إنسانًا يحتاج رحمة، نراه عائقًا يجب تجاوزه، والعقل يبدأ عمله الحقيقي، لا يدفعنا مباشرة إلى القسوة، بل يمنحنا قصة.
“هو المخطئ.”
“لو لم أضع حدًا له لتمادى.”
“أنا فقط أدافع عن حقي.”
هكذا تتحول الرغبة في الانتصار إلى دفاع عن العدل، نحن لا نكذب، نحن فقط نعيد ترتيب الحقيقة بطريقة تسمح لنا بالنوم ليلًا.
الحقيقة المزعجة هي أن أغلب الناس ليسوا كما يظنون، لسنا أبطالًا أخلاقيين، ولا وحوشًا أيضًا، نحن ببساطة منحازون لأنفسنا، ننصر الضعيف حين لا ينافسنا، ونقسو حين نشعر بالخطر.
اللحظة التي تكشف الإنسان حقًا ليست لحظة التعاطف، بل لحظة القدرة: حين تكون أقوى، حين تستطيع أن تؤذي ولن يمنعك أحد، حين يمكنك أن تسحق خصمك بسهولة، هناك يحدث الصمت.
لا جمهور.
لا تصفيق.
لا خطاب أخلاقي، فقط أنت، ودوافعك العارية، ماذا تفعل؟
إن استخدمت قوتك لتُهين، فلن تكون مختلفًا كثيرًا عمن أدنتهم من قبل، وإن توقفت، ليس لأنك عاجز، بل لأنك رأيت في داخلك تلك الرغبة واخترت ألا تتبعها، عندها فقط يبدأ شيء يشبه الأخلاق.
الفضيلة ليست أن نحب الضعفاء، الفضيلة أن نقاوم أنفسنا حين نصبح أقوياء، ليس الامتحان أن نقف مع المظلومين البعيدين، بل أن نرى ضعف خصمنا القريب ولا نحوله إلى فرصة لإثبات تفوقنا.
نحن لسنا كما نظن، نحن أكثر خوفًا مما نعترف، أكثر قابلية للقسوة مما نحب أن نصدق، وأكثر مهارة في تبرير أنفسنا مما نتخيل.
لكن ربما تبدأ الأخلاق الحقيقية، حين نتوقف عن تصديق القصة الجميلة التي نحكيها عن أنفسنا، ونجرؤ على رؤية ما لا نحب أن نراه أو نسمعه.
في العادة أن العقل يروي قصة أن الظالمين نوعٌ آخر من البشر، أن فيهم نقصًا لا يوجد فينا، لكن دعني أحدثك عما يحكي لنا التاريخ، أن البشر – حين ترفع عنهم القيود- لا يصبحون ملائكة، يصبحون فقط ما تسمح لهم به قوتهم، ولهذا ربما لا يكمن السؤال الحقيقي في: هل نحن أخلاقيون؟ السؤال الأكثر ازعاجًا
كم من أخلاقنا هو اختيار حقيقي، كم من أخلاقنا فضيلة، وكم منها مجرد عجزٍ أنيق؟













03/05/2026 - 11:35 AM





Comments