جمال دملج *
لم يكن قرار "حزب الله" الانخراط في المواجهة العسكرية الدائرة حاليًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى مجرد خطوة تكتيكية في سياق الصراع الإقليمي، بل بدا أقرب إلى خطأ استراتيجي فادح قد يفتح فصلًا جديدًا من عزلة الحزب داخل لبنان، ويضعه في مواجهة مباشرة ليس فقط مع إسرائيل، بل أيضًا مع الدولة اللبنانية ومع جزء متزايد من البيئة التي احتضنته لعقود.
فمع إطلاق الحزب صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل يوم الاثنين الفائت، ردًا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الغارات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران، دخل لبنان مرة أخرى في قلب عاصفة إقليمية لا يملك السيطرة على مسارها أو نهايتها.
ولم يتأخر الرد الإسرائيلي طويلًا. إذ جاءت الضربات سريعة وقاسية، موقعة عشرات القتلى ومسببة موجة نزوح جديدة في الجنوب، وذلك بعد أقل من خمسة عشر شهرًا على حرب سابقة تركت البلاد مثقلة بالدمار، وأثقلت كاهل اقتصاد منهك أصلًا.
لكن الأخطر من التداعيات العسكرية كان الزلزال السياسي الداخلي الذي أحدثه القرار.
صدع في التحالف الشيعي
تشير معلومات متقاطعة من أوساط سياسية لبنانية إلى أن قرار الحزب لم يقتصر على مفاجأة خصومه، بل فاجأ أيضًا بعض حلفائه وأوساطًا قيادية داخله.
فبحسب مصادر سياسية وأمنية لبنانية، لم يكن عدد من كبار المسؤولين السياسيين في الحزب على علم مسبق بقرار إطلاق الصواريخ، الأمر الذي تركهم في حالة ارتباك يوم وقوع العملية.
وإذا صحّت هذه المعطيات، فإنها تعكس طبيعة بنية القرار داخل الحزب، حيث تبقى الكلمة الفصل لمؤسسات أمنية وعسكرية مغلقة، على رأسها مجلس الشورى ومجلس الجهاد، بعيدًا عن التداول السياسي الواسع.
لكن المفاجأة الأكبر تمثلت في التوتر الذي نشأ مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف التاريخي للحزب وزعيم حركة "أمل"، والذي شكّل تحالفه مع الحزب طوال العقود الماضية الركيزة الأساسية للتمثيل السياسي للطائفة الشيعية في لبنان.
فوفق مصادر سياسية مطلعة، كان بري قد تلقى قبل الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران تطمينات من الحزب بأنه لا ينوي الانجرار إلى مواجهة مع إسرائيل. وقد نقل هذه الرسائل بدوره إلى كبار المسؤولين اللبنانيين، ومن بينهم رئيس الجمهورية.
غير أن ما حدث لاحقًا جعله يشعر، بحسب تلك المصادر، بأنه تعرض لما يشبه الخداع السياسي.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن وزراء حركة "أمل" لم يعارضوا في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة قرارًا يهدف إلى حظر الأنشطة العسكرية للحزب، في خطوة عكست حجم الضغوط السياسية المتزايدة لعزل الجماعة.
تآكل في القاعدة الشعبية
لم يقتصر التململ على الأوساط السياسية. فحتى داخل البيئة الشيعية التي شكّلت تاريخيًا الحاضنة الأساسية للحزب، بدأت أصوات خافتة تعبّر عن القلق والرفض.
فقد نقلت شهادات لعدد من أنصار الحزب أنهم فوجئوا بإعلان إطلاق الصواريخ من لبنان، بعدما كانوا يعتقدون أن أقصى ما يمكن أن يقوم به الحزب هو تنظيم احتجاجات سياسية أو شعبية على مقتل خامنئي.
وقال أحد هؤلاء بمرارة: "لا نؤيد بدء حرب لا يمكن توقع عواقبها... الناس في الشوارع لا يعرفون إلى أين يذهبون".
هذه العبارات القليلة تكشف حجم القلق المتراكم في مجتمع دفع خلال السنوات الأخيرة أثمانًا باهظة من الحروب والانهيار الاقتصادي.
أخطاء تتكرر منذ أربعة عقود
في الواقع، لا يمكن قراءة ما جرى هذا الأسبوع بمعزل عن سلسلة طويلة من القرارات المثيرة للجدل التي اتخذها الحزب منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي.
فمنذ استهداف مقر مشاة البحرية الأميركية في بيروت عام 1983، مرورًا بإرسال مجموعات من مقاتليه إلى البوسنة خلال النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي دعمًا للرئيس علي عزت بيغوفيتش، وصولًا إلى سلسلة من المحطات المفصلية في الألفية الثالثة، ظل الحزب يتصرف بوصفه لاعبًا إقليميًا أكثر منه فاعلًا لبنانيًا.
ومن أبرز تلك المحطات:
- استثمار الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 وتقديمه بوصفه "تحريرًا" تحقق بفعل المقاومة، رغم أن مؤشرات كثيرة كانت قد سبقت ذلك الانسحاب، بما فيها تصريحات لمسؤولين إسرائيليين تحدثوا منذ عام 1996 عن نية الانسحاب من "الحزام الأمني".
- مغامرة أسر الجنديين الإسرائيليين عام 2006 التي أدت إلى حرب مدمرة استمرت 33 يومًا، انتهت باعتراف أمين عام الحزب الراحل حسن نصر الله بأنه لو كان يتوقع حجم الرد الإسرائيلي لما أقدم على تلك الخطوة.
- التدخل العسكري في الحرب السورية منذ عام 2011، في تناقض صارخ مع سياسة "النأي بالنفس" التي أعلنتها الحكومة اللبنانية آنذاك.
- الانخراط في ما سُمّي "حرب إسناد غزة" في أكتوبر 2023، وهي مواجهة كلّفت الحزب خسائر جسيمة في قياداته وبنيته العسكرية.
وها هو الحزب اليوم يضيف إلى تلك السلسلة مغامرة جديدة عبر إدخال لبنان في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، هذه المرة تحت شعار الثأر لمقتل المرشد الإيراني.
لبنان الجديد
غير أن الخطأ الأكبر ربما يكمن في أن الحزب يتصرف كما لو أن لبنان ما زال يعيش في زمن الوصايات القديمة. فخلال العقود الماضية، تمكن الحزب من اتخاذ قرارات مصيرية منفردًا مستفيدًا من واقع سياسي كانت تتحكم به وصايات خارجية، سورية تارة وإيرانية تارة أخرى.
لكن المشهد اللبناني بدأ يتغير. فمع انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية في يناير 2025، وما تلاه من تشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، برز خطاب سياسي جديد يؤكد بوضوح أن احتكار الدولة للسلاح لم يعد موضوعًا مؤجلًا.
وقد عكس خطاب القسم والبيان الوزاري للحكومة هذا التحول بوضوح، من خلال الدعوة الصريحة إلى تسليم سلاح الحزب وتحويله إلى حزب سياسي يعمل ضمن قواعد الدولة.
السؤال الأخير
وسط هذا المشهد المتغير، يجد حزب الله نفسه اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن يقرأ التحولات الجارية في لبنان والمنطقة، ويقرر الخروج من عباءة الصراعات الإقليمية نحو دور سياسي لبناني طبيعي. وإما أن يواصل الارتهان لعقيدة عسكرية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، في لحظة تشير فيها معظم المؤشرات إلى أن المشروع الإقليمي الذي حمله هذا الحرس طوال أربعة عقود يقترب من نهاياته.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس ما إذا كان لبنان قادرًا على تحمّل حرب جديدة. بل ما إذا كان حزب الله نفسه قادرًا على الاستيقاظ من غيبوبته العقائدية قبل أن يدفع لبنان — ومعه بيئته الحاضنة — ثمن خطأ استراتيجي جديد.
* إعلامي وكاتب لبناني










03/05/2026 - 06:43 AM





Comments