على مَدْخَلِ الضَّيْعَةِ الغَرْبِيِّ تَلَّةٌ، وفي وَسَطِها مَغارَةٌ يُقالُ إِنَّ ضَبْعًا يَسْكُنُها.
لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، لَكِنَّ اسْمَهُ كانَ أَكْثَرَ حُضُورًا مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ، وَحِكَايَاتُهُ أَشْهَرَ مِنْ أَسْمَائِهِمْ.
أَصْبَحَ الكُوعُ وَالمَغارَةُ رَمْزًا لِلْخَوْفِ وَاللَّعْنَةِ.
فَكُلُّ عابِرٍ يُسْرِعُ الخُطى عِنْدَ المُنْعَطَفِ، خُصُوصًا فِي الشِّتَاءِ، حِينَ تَتَّحِدُ الرِّياحُ وَالمَطَرُ وَالبُرُوقُ، كَأَنَّ الطَّبِيعَةَ تُصادِقُ الخُرافَةَ.
تَحَوَّلَ الكُوعُ إِلَى مَخْرَجٍ لِلْخُذْلانِ.
فَإِذَا فَشِلَ أَحَدٌ قِيلَ: «كُوعُ الضَّبْعِ».
وَإِذَا ضاعَ حُلْمٌ قِيلَ: «لَعْنَةُ المَغارَةِ».
لَكِنَّ بَعْضَهُمْ عَبَرُوا.
واجَهُوا الخَوْفَ، دَحْرَجُوا الحَجَرَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُدَحْرِجُوهُ عَنِ المَغارَةِ، فَاسْتَعَادُوا وَهَجَ النُّورِ فِي عَتْمَتِهِمْ.
لَمْ يَكُنِ العُبُورُ اجْتِيازَ مُنْعَطَفٍ… بَلْ كانَ وِلادَةً جَدِيدَةً.
وَكانَتْ فِي الضَّيْعَةِ أَرْمَلَةٌ فَقَدَتْ زَوْجَهَا وَابْنَهَا، فَرِيسَةَ المَرَضِ.
قِيلَ لَهَا إِنَّهُمَا ماتا، لَكِنَّهَا لَمْ تُصَدِّقْ أَنَّ الغِيابَ يُساوِي الفَناءَ، بَلْ عَجْزُنا عَنِ الرَّحِيلِ مَعَ مَنْ رَحَلَ… إِلَى حِينٍ.
كانَتْ تَجْلِسُ عِنْدَ بابِ كُوخِها كُلَّ مَساءٍ، تُرَقِّعُ ثَوْبًا قَديمًا كَأَنَّها تُرَقِّعُ الزَّمَنَ، وَتُبْقِي المِصْباحَ مُضاءً…
لا لِعائِدٍ يُنْتَظَرُ، بَلْ لِئَلَّا يَنْطَفِئَ الرَّجاءُ فِي القَرْيَةِ.
صَمْتُها كانَ أَعْلى مِنْ ضَجيجِهِمْ، وَهُدوؤُها أَقْوى مِنْ خُرافاتِهِمْ.
وَكانَتْ تَقولُ بِحِكْمَتِها:
«إِنَّ الضَّبْعَ الحَقِيقِيَّ لا يَسْكُنُ المَغارَةَ… بَلْ يَسْكُنُ القُلُوبَ حِينَ تَخافُ أَنْ تَرَى نَفْسَها».
ذاتَ يَوْمٍ، عَزَمَ أَهْلُ الضَّيْعَةِ عَلَى اقْتِحامِ المَغارَةِ.
صاحُوا، رَفَعُوا المَشاعِلَ، وَأَعْلَنُوا الحَرْبَ عَلَى اللَّعْنَةِ.
دَخَلُوا… فَوَجَدُوا المَغارَةَ خالِيَةً.
لَمْ يَكُنْ هُناكَ ضَبْعٌ.
أَوَّلُ ضَحايا شَجاعَتِهِمْ كانَ كُوخَ الأَرْمَلَةِ.
أَشْعَلُوا فيهِ النّارَ وَهُمْ يَهْتِفُونَ ضِدَّ الضَّبْعِ،
كَأَنَّهُمْ يَقْتَلِعُونَ أَصْلَ اللَّعْنَةِ، وَما كانوا يَدْرونَ أَنَّهُمْ يُحْرِقُونَ آخِرَ مِصْباحٍ كانَ يُنيرُ عَتْمَتَهُمْ.
أَعْلَنُوا تَحْريرَ المَغارَةِ، وَسَمَّوْها «مَغارَةَ الشُّهَداءِ»، وَصاروا يَجْتَمِعونَ كُلَّ عامٍ لِتَكْريمِ ذِكْراهُم.
لَكِنَّ الضَّبْعَ لَمْ يَمُتْ.
جالَ فِي البَراري القاحِلَةِ زَمَنًا، يَبْحَثُ عَنْ مَأْوًى فَلا يَجِدُ.
ثُمَّ رَجَعَ يَتَفَحَّصُ الضَّمائِرَ الَّتي أُخْرِجَ مِنْها، فَوَجَدَها مُنَظَّفَةً، مُرَتَّبَةً… لَكِنْ فارِغَةً مِنَ اليَقَظَةِ.
فَالْفَراغُ لا يَحْتَمِلُ الحِيادَ:
إِمّا أَنْ يُمْلَأَ بِالنُّورِ… أَوْ يَحْتَلَّهُ الظِّلُّ.
فَدَخَلَ إِلَيْها، لا وَحْدَهُ، بَلْ مُصاحِبًا مَعَهُ سَبْعَةَ ضِباعٍ أَشْرَسَ مِنْهُ، تَسْكُنُ الفَراغَ إِنْ تُرِكَ، وَتَسْتَوْطِنُ القَلْبَ إِنْ لَمْ يُعَمَّرْ بِالمَحَبَّةِ، وَتُقيمُ فِي الضَّمائِرِ إِنْ خَلَتْ مِنَ النُّورِ.
عِنْدَها انْكَشَفَ المَعْنى:
«لَمْ يَكُنِ التَّحْريرُ فِي اقْتِحامِ مَغارَةٍ… بَلْ فِي أَلّا يَبْقى القَلْبُ فارِغًا».
وَهَكَذا بَقِيَ «كُوعُ الضَّبْعِ» امْتِحانًا دائِمًا،
لا لِقُوَّةِ الضَّبْعِ… بَلْ لِيَقَظَةِ الإِنْسانِ.
فَهَلْ عَلى مَدْخَلِ كُلِّ وَطَنٍ ضَبْعٌ؟ رُبَّما.
لَكِنْ عَلى مَدْخَلِ كُلِّ وَطَنٍ أَيْضًا أَرْمَلَةٌ تُبْقي المِصْباحَ مُضاءً. وَالفَرْقُ بَيْنَ وَطَنٍ يَسْقُطُ…
وَوَطَنٍ يَنْجو… هُوَ:
أَيُّهُما نُصْغي إِلَيْهِ أَكْثَر.
خَرْبَشاتُ طِفْلٍ - بِقَلَمِ الإِبْنِ الضَّالِّ… إِذا تابَ










03/04/2026 - 15:55 PM





Comments