هندسة البقاء: في نقد التبسيط الغربي لآليات السلطة الإيرانية

03/04/2026 - 10:04 AM

Atlantic home care

 

 

 بيار مارون *

اكتمل هذا التحليل مع انطلاق العمليات العسكرية الأخيرة (عملية Epic Fury). ورغم تسارع التطورات الميدانية، بما في ذلك الأنباء المتداولة حول غياب هرم القيادة واستهداف مؤسسات معنية بتنظيم الخلافة، يبقى جوهر التحليل ثابتاً: إن الدولة الإيرانية ليست بنية شخصية بل منظومة مؤسساتية أمنية–عقائدية. وفي هذا الإطار، لن يُحسم مصير النظام عبر ما يصيب الأفراد، بل عبر قدرة شبكاته الداخلية على الحفاظ على تماسكها تحت ضغط هذا الصراع الوجودي الدائر حالياً. فالعامل الحاسم ليس غياب شخص، بل مدى صمود البنية التي صُمّمت منذ 1979 لتحويل الأزمات إلى أدوات بقاء.

حين دعا الرئيس دونالد ترامب الإيرانيين إلى “أخذ حكومتهم”، بدا وكأنه يعيد إنتاج الفرضية الأكثر رواجًا في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه إيران: أن إضعاف رأس النظام، أو تعرّضه لضربة كبيرة، قد يفتح تلقائيًا الطريق أمام الشعب ليستعيد الدولة من قبضة الجمهورية الإسلامية. غير أن هذه القراءة، على جاذبيتها الخطابية، تبقى أقرب إلى التمنّي السياسي منها إلى الوصف الدقيق لطبيعة السلطة في إيران. فالمشكلة في الجمهورية الإسلامية ليست فقط في هوية من يجلس على رأسها، بل في البنية التي تجعل النظام قادرًا على امتصاص الصدمات، وإعادة إنتاج نفسه ، وتحويل الأزمات إلى أدوات إضافية للبقاء.

من هذه الزاوية، لا يبدو السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الإيرانيون يريدون التغيير؛ فذلك بات واضحًا منذ سنوات من الاحتجاجات والتدهور الاقتصادي والتآكل المتراكم في شرعية النظام. السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا الرفض الشعبي كافيًا، في حد ذاته، لإسقاط نظام لا يقوم فقط على الشرعية الأيديولوجية، بل أيضًا على منظومة كثيفة من الأمن، والتنظيم، والموارد، وآليات الضبط المؤسسي. وهنا تحديدًا تكمن محدودية خطاب ترامب: فهو يتعامل مع الدولة الإيرانية كأنها تُختزل في المرشد أو في الحلقة السياسية العليا، بينما الواقع أن الجمهورية الإسلامية تعمل بوصفها شبكة سلطة متداخلة لا تسقط بالضرورة لمجرد إصابة رأسها أو اهتزازه.

لقد بُني النظام الإيراني، منذ 1979، على أكثر من مركز حماية. فإلى جانب المرشد، ثمة مؤسسة دينية تحرس المشروعية، وأجهزة أمنية–عسكرية تفرض الانضباط، ومؤسسات دستورية تنظّم انتقال السلطة وتمنحها شكلًا قانونيًا، فضلًا عن شبكات مصالح اقتصادية واسعة تربط قطاعات من النخبة ببقاء النظام نفسه. لذلك، فإن الرهان على أن أي ضربة كبيرة ستؤدي تلقائيًا إلى انتفاضة حاسمة تُسقط الحكم يتجاهل أن الأنظمة العقائدية–الأمنية لا تنهار عادة بهذه البساطة، بل تدخل أولًا في طور دفاعي شرس، تُعاد فيه تعبئة القاعدة الصلبة، وتُشدَّد فيه أدوات القمع، وتُقدَّم فيه الأزمة بوصفها معركة وجودية ضد الخارج.

في هذا الإطار، يشكّل الحرس الثوري عنصرًا حاسمًا في فهم منطق البقاء الإيراني. فهذه المؤسسة ليست جهازًا عسكريًا تقليديًا، بل بنية سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة، تملك أدوات القسر، وتتمتع بنفوذ واسع داخل الدولة وخارجها، وترتبط بها شبكات امتياز ومصالح تجعل الدفاع عن النظام دفاعًا عن مواقع ونفوذ وثروة أيضًا. ولهذا، فإن معيار السقوط لا يرتبط فقط بحجم الغضب الشعبي أو بعمق الأزمة الاقتصادية، بل بمدى تماسك مؤسسات الإكراه نفسها. وما لم تظهر تصدعات جدية داخل الحلقة الأمنية العليا، سيظل أي رهان على سقوط سريع أقرب إلى القراءة الرغبوية منه إلى التحليل الواقعي.

لكن هذا لا يعني أن النظام محصّن أو أن تماسكه مضمون إلى ما لا نهاية. فالبنى الأمنية قد تبدو متماسكة في لحظة الصدمة الأولى، لكنها قد تدخل لاحقًا في منافسات مكتومة إذا طال أمد الأزمة، أو تعقدت مسألة الخلافة، أو تراجعت قدرة المركز على تمويل شبكات الولاء. كما أن الحرس الثوري نفسه لا ينبغي النظر إليه بوصفه كتلة صلبة خارج التباين، إذ قد تخفي هذه البنية، تحت سطح الانضباط، تمايزات مصلحية وجيلية ومؤسساتية لا تظهر بوضوح إلا في لحظات الضغط القصوى. وهذه نقطة أساسية غالبًا ما يغفلها الخطاب الخارجي: فإيران ليست نظامًا سهل الانهيار، لكنها أيضًا ليست بنية جامدة خارج التاريخ. إنها منظومة يمكن أن تتآكل من الداخل، لكن تآكلها لا يبقى دائمًا بطيئًا؛ إذ قد يبلغ، في لحظة معينة، عتبة حرجة يتحول عندها التآكل التراكمي إلى أزمة سلطة مفتوحة.

ويزداد هذا التعقيد إذا دخلت مسألة الخلافة إلى قلب المشهد. فالانتقال في إيران ليس مجرد إجراء دستوري، بل اختبار فعلي لقدرة النظام على إعادة إنتاج مرجعيته العليا في لحظة ضغط قصوى. ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الواسع بما تردّد عن استهداف المكتب المرتبط بمجلس خبراء القيادة، لا باعتباره تفصيلًا أمنيًا عابرًا، بل بوصفه مؤشرًا إلى حساسية البنية الناظمة للخلافة. فبصرف النظر عن دقة هذه الأنباء أو حجمها الحقيقي، فإن مجرد تداولها بهذا الزخم يكشف شيئًا أكثر أهمية: هشاشة المؤسسات المرتبطة بآلية الانتقال، ووعي الداخل والخارج معًا بأن لحظة الخلافة تمثل إحدى أكثر نقاط النظام حساسية. فالمسألة ليست في مبنى أو مكتب بحد ذاته، بل في الرمزية السياسية لمؤسسة يُفترض بها أن تمنح الفراغ القيادي شكلًا دستوريًا قابلًا للإدارة.

وتزداد حساسية هذه اللحظة مع أي ترتيبات انتقالية داخل هرم الحكم، لأن مثل هذه الترتيبات لا تملأ الفراغ فقط، بل تكشف سريعًا موازين القوة بين الشرعية الدينية، والشرعية التنفيذية، والثقل الأمني–العسكري. وهذا التداخل يزيد من صعوبة تحديد مركز القرار الفعلي في مرحلة ما بعد الخلافة، ويجعل احتمال التغوّل الأمني–العسكري أكثر ترجيحًا إذا اهتزت قدرة المؤسسة الدينية على فرض مرشحها.

غير أن امتلاك آلية دستورية لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة سياسية سلسة على تفعيلها في ظرف استثنائي. فمجلس خبراء القيادة، على الرغم من مكانته الدستورية، لا يعمل في فراغ، بل داخل بيئة تحكمها موازين القوى، وضغوط الحرب، وثقل الأجهزة الأمنية، وتراجع الثقة الشعبية. لذلك، فإن السؤال في لحظة الخلافة لا يقتصر على من سيختار المرشد المقبل، بل يمتد إلى من سيملك القدرة الفعلية على فرض هذا الاختيار، وضمان انصياع بقية مراكز القوة له. ولأن الخلافة هي اللحظة القانونية الأشد حساسية في بنية النظام، فإنها قد تتحول أيضًا إلى النافذة التي يخرج عبرها التدخل الأمني–العسكري من الظل إلى العلن، لا بوصفه انقلابًا صريحًا، بل بوصفه رعاية قسرية لانتقال يُفترض أنه دستوري.

هذا ما يجعل دعوة ترامب الإيرانيين إلى “أخذ الحكومة” دعوة مبسّطة أكثر مما ينبغي. فهي تفترض، ضمنًا، أن هناك فراغًا سياسيًا يمكن للشعب أن يملأه بمجرد توفر الإرادة، بينما الواقع أن أي فراغ في قمة النظام الإيراني يُرجَّح أن يُملأ أولًا من داخل مؤسساته الصلبة، لا من خارجها. وفي لحظة اهتزاز المركز، لا تتراجع الدولة الأمنية تلقائيًا، بل قد تتقدم أكثر. وقد لا تكون النتيجة الأولى لأي أزمة كبرى هي انفتاح المجال العام، بل العكس: اتساع قبضة الحرس الثوري، وتزايد نفوذ المؤسسة الأمنية، وتراجع الهامش المتاح للقوى المدنية والمعارضة غير المنظمة.

ولا يمكن فصل ذلك عن البعد العقائدي للنظام. فالجمهورية الإسلامية لا تستند إلى جهاز قمع فقط، بل إلى سردية شرعية تعتبر الصراع مع الخارج جزءًا من تعريفها لنفسها. ومن ثم، فإن الدعوات الأمريكية العلنية للتغيير لا تضعف النظام بالضرورة كما يُفترض، بل قد تمنحه مادة إضافية لإعادة تعبئة أنصاره، وتقديم أي احتجاج داخلي بوصفه امتدادًا لمؤامرة خارجية. غير أن هذا لا يعني التقليل من أثر العامل الخارجي الفعلي؛ فالعقوبات، والضربات، والصراع الإقليمي، كلها تضغط على موارد الدولة وتسرّع التوترات داخلها. لكن أثر هذه العوامل لا يكون حاسمًا بذاته إلا بقدر ما يلتقي مع تصدعات داخلية كامنة في بنية النظام ويضاعفها.

ومن هنا، لا يجوز النظر إلى الشارع الإيراني بوصفه مجرد خلفية للحدث. فالاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، ولا سيما تلك التي انفجرت بعد مقتل جينا أميني، لم تُسقط النظام، لكنها كشفت حدود شرعيته وعمق التحول الاجتماعي داخله. صحيح أن الشارع ما يزال يفتقر إلى قيادة موحدة وأداة تنظيمية قادرة على تحويل الرفض إلى بديل سياسي متماسك، لكن ذلك لا يعني أنه بلا أثر. فالاحتجاجات المتكررة لا تعمل فقط كلحظات انفجار، بل كعملية استنزاف طويلة لهيبة السلطة، وتآكل تدريجي لقدرتها على الادعاء بأنها تمثل المجتمع أو تتكلم باسمه.

ويتعزز منطق البقاء هذا أيضًا عبر ما يمكن وصفه باقتصاد الولاء. فالنظام لا يقوم على العقيدة والسلاح فقط، بل على شبكة واسعة من المصالح التي تربط بين الحرس الثوري، والمؤسسات شبه الرسمية، والبيروقراطية الأمنية، ودوائر النفوذ الاقتصادي. وقد ترافق ذلك مع تدهور حاد في قيمة العملة الإيرانية وارتفاع كبير في معدلات التضخم خلال العامين الأخيرين، بما يعكس حجم الضغط على قدرة الدولة على تمويل شبكات الولاء التقليدية. فالولاء في الأنظمة العقائدية لا يبقى رمزيًا إلى الأبد؛ إذ يصبح مع مرور الوقت أكثر كلفة من الناحية المادية، وحين يعجز المركز عن الدفع تبدأ الولاءات بالتحول تدريجيًا إلى صفقات محلية ومساومات نفوذ داخلية. وعند هذه النقطة، لا تعود الأزمة الاقتصادية مجرد عبء اجتماعي، بل تتحول إلى مسار تآكل سياسي يصيب قلب النظام نفسه. وإذا بلغ هذا التآكل المالي مستوى يعجز معه المركز عن شراء الوقت وشراء الولاء معًا، فإن احتمال الانتقال من التآكل البطيء إلى الانكشاف السريع يصبح أكثر واقعية مما يوحي به ظاهر الاستقرار.

كما أن الأطراف الإثنية والمناطق المهمّشة قد تصبح بدورها مصدر ضغط إضافي في أي مرحلة اضطراب مركزي. فالمناطق الكردية، والبلوشية، والعربية الأهوازية، وسواها، تحمل تاريخًا طويلًا من التهميش والرقابة الأمنية المشددة. وتزداد هذه الهشاشة إذا ترافق اضطراب المركز مع انفتاح خارجي على توظيف جماعات مسلحة في الأطراف، إذ قد يفتح ذلك جبهات استنزاف إضافية أمام الدولة الأمنية. غير أن مثل هذا المسار لا يؤدي بالضرورة إلى إضعاف النظام؛ بل قد يمنحه، على العكس، مبررًا إضافيًا لتشديد قبضته، وتوسيع مقاربته الأمنية، وإعادة تعريف الأزمة كلها بوصفها مسألة استقرار ووحدة وطنية في مواجهة التمرد أو الاختراق الخارجي. لذلك، ينبغي الحذر من التبسيط هنا أيضًا: فتوتر الأطراف، سواء كان داخليًا أو مدفوعًا بعوامل خارجية، لا يعني تلقائيًا قرب انهيار المركز.

ومع تعمّق التآكل البنيوي، تظهر في الأنظمة العقائدية–الأمنية عادةً احتمالات انكشاف الأطراف على حساب المركز، سواء عبر تصاعد النزعات المحلية أو بروز مطالب حكم ذاتي أو حتى سيناريوهات انشقاقية في مناطق مثل الأهواز أو كردستان. ولا يعني ذلك أن التفكك حتمي، لكنه يصبح أحد المسارات الممكنة حين تفقد الدولة المركزية قدرتها على الضبط، ويتراجع حضورها المؤسسي، وتتآكل قدرتها على شراء الولاء أو فرض الانضباط.

وبين مساري التآكل البطيء والانهيار الخاطف، تبدو الجمهورية الإسلامية محكومة بمنطق الأنظمة العقائدية–الأمنية التي تحمل في بنيتها بذور نهايتها. فقد يسير النظام على إيقاع بطيء، متآكلًا طبقة بعد أخرى حتى يصل إلى لحظة الانكشاف، أو قد ينهار فجأة حين تتقاطع أزمة الخلافة مع الانقسام الأمني وتراجع القدرة على شراء الولاء. وفي الحالتين، فإن مسار البقاء نفسه يخلق الشروط التي تجعل السقوط، عاجلًا أو آجلًا، احتمالًا بنيويًا لا يمكن استبعاده.

في الختام، إن خطأ الرهانات الخارجية، ومنها رهان ترامب، يكمن في التعامل مع الدولة الإيرانية بوصفها “جدارًا” يسقط بضربة واحدة، بينما هي في الواقع “شبكة” تعيد توزيع الأحمال عند كل صدمة. إن غياب المرشد، أو حتى استهداف المؤسسات الدستورية الناظمة للخلافة، لا يفتح بالضرورة بابًا للديمقراطية، بل قد يفتح الطريق أمام تغوّل أمني–عسكري أوسع يعيد ترتيب السلطة تحت عنوان الحفاظ على النظام. ومع ذلك، فإن تصحيح هذا التبسيط لا يبرر الوقوع في التبسيط المعاكس: فالنظام الإيراني قوي، لكنه ليس عصيًا على التحول؛ وما يبدو قدرةً على البقاء قد يخفي في داخله شروط الأزمة المقبلة. ومن هنا، فإن التغيير في إيران لن يكون نتاج نداءات خارجية أو ضربات رمزية، بل ثمرة صراع طويل النفس بين مجتمع يرفض الانكسار ونظام يتقن فن البقاء فوق الأنقاض—صراع قد يطول، لكنه ليس بلا أفق.

 

* محلل استراتيجي

SOUL

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment