شبل الزغبي
إنها مأساة من نوع فريد، أن يجلس اللبناني أمام شاشته يتابع بياناتٍ رسمية لا تعدو كونها سيناريوهات فولكلورية، يُقرأ فيها النصّ بصوتٍ رسمي وبوجهٍ لا يرتجف، بينما البلد ينهار حجراً حجراً، وروحاً روحاً. ما يُسمّى “الدولة اللبنانية” اليوم ليس أكثر من واجهة زجاجية تعكس ما يريده من يمسك بالسلاح الحقيقي، فيما القيادة العسكرية تُصدر مواقف لا تُخدع بها طفلة في العاشرة من عمرها، فكيف يُراد منّا أن نُصدّقها ونحن نرى بأمّ أعيننا ما يجري على أرضنا؟
المُضحك المُبكي أن ثمة من لا يزال يتجادل: هل حزب الله مقاومةٌ أم حزبٌ سياسي أم خارجٌ عن القانون؟ هذا الجدل العقيم هو في حدّ ذاته دليلٌ على عمق الكارثة الفكرية التي يرزح تحتها لبنان. لسنا بحاجة إلى فلسفة لنفهم التبعيّة المطلقة لوالي فقيه ايران، فالوقائع أوضح من أن تحتاج إلى تفسير، والأوامر تأتي من هناك وتُنفَّذ هنا، ومصلحة لبنان ليست في الحسابات أصلاً، لأن لبنان بالنسبة لهم ليس وطناً يُصان بل ورقةٌ تُلعب في اللحظة المناسبة ثم تُرمى.
والأكثر إيلاماً أن الدولة التي يُفترض أن تحمي مواطنيها بالصراحة، باتت تكذب على نفسها قبل أن تكذب على العالم. كيف تطلب من المجتمع الدولي أن يُصدّقك وأنت لا تُصدّق ما تقوله؟ كيف تتحدث عن السيادة وسلاحٌ غير شرعي يُقرّر الحرب والسلم فوق رأسك ودون إذنك؟ منذ اتفاقية القاهرة عام ١٩٦٩ حين فتحت الدولة اللبنانية صدرها للسلاح الفلسطيني المسلّح وتخلّت عن سيادتها وعن دورها الأساسي في احتكار القوة، والخطأ يتكرر بأشكالٍ مختلفة وبنتيجةٍ واحدة: الخراب. اختلف السلاح وبقي الدمار، وتبدّل الاسم وبقيت العقلية.
ولهذا لم يعد مستغرباً أن نجد أنفسنا في وضعٍ شاذٍّ بامتياز: حين يتحدث المسؤول الإسرائيلي أو الأمريكي نفهم ما يحدث أكثر مما نفهمه حين يتحدث المسؤول اللبناني. هذا ليس مدحاً ولا ذمّاً للذات، بل هو اعترافٌ مُرٌّ بأن من يدير الشأن اللبناني وصل به الانحطاط والغباء إلى حدٍّ باتت فيه كلماته عبئاً على العقل لا مادةً للتفكير. فإصدار الأوامر من أفيخاي أدرعي تتحقق بدقةٍ مؤلمة، وحين تسمع خطاب قسم وبيان وزاري يبقَيان حبراً على ورق، فهذا ليس صُدفة، بل هو نتيجةٌ حتمية لطبقةٍ سياسية عفنة لم تؤمن يوماً بالدولة التي تقول إنها تخدمها.
لقد تجاوز لبنان حدود الأزمة العادية. لم يعد الأمر يُعالَج بحكومة جديدة أو بانتخاباتٍ مبكرة أو بحوارٍ وطني تجلس فيه الوجوه ذاتها على الطاولة ذاتها وتخرج بالبيان ذاته. الطبقة السياسية التي حكمت منذ الطائف وما قبله لم تُخفق فحسب، بل أثبتت بالتجربة الدموية الطويلة أنها عاجزةٌ هيكلياً عن بناء دولة، لأن مصلحتها تكمن بالضبط في غياب الدولة. ولذلك فإن المطالبة برحيلهم ليست مطلباً سياسياً بل هي الحدُّ الأدنى من الكرامة الوطنية.
اللبنانيون الذين يعون حجم المأساة يعرفون في قرارة أنفسهم أن الحلول الداخلية وحدها لم تعد كافية. حين تكون الدولة مخترَقة في صميمها، وحين يكون سلاح الارهاب الغير شرعي أقوى من كل مؤسساتها مجتمعةً، فإن الفصل السابع لا يبدو حلاً دولياً فحسب، بل يبدو الطريق الوحيد لاستئصال ورمٍ نما ونما حتى التهم الجسد. لبنان بحاجة إلى إعادة تأسيسٍ حقيقية، لا ترقيع، ولا مصالحة بين من أثبتوا أنهم لا يَصلَحون. بحاجة إلى أجيالٍ تُبنى على قيم الدولة والقانون والمواطنة، لا على قيم الزعيم والطائفة والسلاح والفساد.
لبنان الذي نحبه وأردناه، ليس هذا الذي نراه. وهذا الذي نراه لن يتغير ما دام من صنعوه لا يزالون في مواقعهم يتحدثون باسمه.










03/04/2026 - 08:47 AM





Comments