التحفظ السعودي قراءة مبكرة لكلفة الحرب وتهديد رؤيتها

03/03/2026 - 17:23 PM

A

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

زمن تبديل الكراسي قد انتهى، الرؤية الدولية الجديدة ترفض منظومة دينية ثورية في إيران، هناك 4 ملفات أساسية كانت المحرك الفعلي للصراع بين الولايات المتحدة المتزعمة للرؤية الاقتصادية العالمية الجديدة في استعادة الهيمنة الأمريكية وإيران، أولها الملف النووي وهي طموحات لم تعد مقبولة دوليا، وثانيها الصواريخ البالستية التي تهدد ليس فقط إسرائيل بل والمنطقة، وثالثها الأذرع الإقليمية، ورابعها مستقبل الشرق الأوسط الاقتصادي، وهو المخطط الذي تسعى واشنطن لرسمه بقيادة سعودية ودمج إسرائيل، لإعادة صياغة دور إيران الإقليمي بالكامل، ولن تقبل الولايات المتحدة أن تبقى إيران تابعة للصين ولا لروسيا، خصوصا بعدما نجح ترمب في المصالحة بين أذربيجان وأرمينا، وسمي الممر الذي ينقل الغاز من أذربيجان عبر أرمينيا إلى تركيا ثم إلى أوروبا بممر ترمب، فنحن أمام مشهد إقليمي جديد يعيد تشكيل خارطة الشرق الأوسط من بوابة طهران.

كيف تبدلت الكراسي فمن كتاب جاك سترو وزير خارجية بريطانيا فضح التعاون الاستراتيجي بين إيران وإسرائيل، بسبب أن إيران دولة مهووسة، وترى نفسها وكأنها قوة عظمى قادرة على ممارسة نفوذ خارق خارج حدودها، وتود أن تحاكي بريطانيا العظمى كانت تنطبق عليها ذات الصفة، لكن بريطانيا كانت دولة واقعية سلمت الدفة للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الأولى، وأصبحت دولة رديفة للولايات المتحدة تستشيرها في شؤون الدول بحكم خبرتها الطويلة، لكن إيران وقعت في فخ الدول الغربية لتحجيم النفوذ السعودي مركز الإسلام.

فإيران وإسرائيل نسقتا وتعاونتا مباشرة في المجالات العسكرية والاستخباراتية لتدمير العراق، خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات، حيث بلغت الصادرات الإسرائيلية من السلاح لإيران حينها ما قيمته ملياري دولار، ومنحت إسرائيل إيران معلومات عن مواقع عسكرية في غربي العراق، وقامت إيران بقصفها، كما قامت إيران بدورها لإسرائيل، الكثير من الصور لمفاعل تموز النووي العراقي، فقامت تل أبيب بتدميره، لأنها كانت ترى أن نظام صدام حسين خطرا عليها بعدما عبأ الشارع العربي ضدها.

وعلى رغم ان إيران تملك عدة مؤسسات نووية شبه متكاملة، فإن أميركا وإسرائيل سمحتا لها بوصول البرنامج النووي إلى مرحلة قريبة من الاكتمال من دون اعتراض جاد، وباستبعاد للعمل العسكري خلال عشر سنوات من تلك الحقبة، وفي عام 2003 قدمت طهران للأميركيين وثيقة عبر السفير السويسري تيم غولدمان، وقع عليها المرشد الأعلى علي خامنئي وسربها ترتيا بارزي رئيس المجلس القومي الأميركي الإيراني واستاذ العلاقات الدولية في جامعة هوبكنز في كتابه التحالف الغادر، حلف المصالح المشتركة، التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، وأعلنت اليونان أنها قبضت على حمولات قطع غيار طائرة اف 14 تنطلق من شركات إسرائيلية في فلسطين المحتلة إلى إيران عن طريق اليونان في ديسمبر 2012، وفي أبريل 2013، كما فضيحة إيران كونترا عام 1986.

كما فضح بن رودس مستشار الرئيس أوباما تعاون إدارته مع إيران ونوري المالكي رئيس وزراء العراق عن كيفية صناعة داعش، من أن المالكي هو من أعطى الأمر بفتح السجون كي يهرب عملاء إيران من تنظيم القاعدة الذين أسندت لهم مهمة تنظيم مليشيات داعش، وأن المالكي هو من أمر الجيش بالخروج من الموصل.

لم تتردد إيران يوما بالتضحية بأهدافها الأيديولوجية، من أجل بقاء نفوذها، وكانت سياستها الخارجية تحت مطرقة مشروعها التاريخي، ففي عام 2015 توصل العالم مع إيران إلى اتفاق نووي 5+1 في عهد الرئيس أوباما مقابل غض الطرف عن النفوذ الإقليمي لإيران، أغضب السعودية وفرض عليها القيام بعاصفة الحزم في اليمن لحماية أمنها، وهو ما جعل الرئيس ترمب ينسحب من الاتفاق النووي بشكل آحادي بعدما تقدمت السعودية برؤية اقتصادية وطنية إقليمية دولية لتحويل المنطقة إلى أوروبا الجديدة، رغم ذلك لم يسمح الغرب للتحالف العربي بقيادة السعودية تحرير الحديدة في 2018 واستعاضت عنه باتفاق استكهولم لكن لم تنفذ بنوده.

اتجهت السعودية إلى البحث عن استراتيجية تهدئة مع إيران بدلا من لعب الغرب على هذا الصراع بين السعودية وإيران إلى أن تدخلت الصين لضمان تهدئة بين السعودية وإيران في مارس 2023، بالطبع كان بمثابة زلزال سياسي بإدخال الصين في شؤون الشرق الأوسط التي تعتبرها الولايات المتحدة نفوذ خاص بالولايات المتحدة، فتم تحريك ملف السودان في أبريل 2023 ثم ملف غزة في أكتوبر 2023، فقاد إلى تعثر الممر الهندي المفترض أن يمر بحيفا، لكن اشترطت السعودية أن تقبل إقامة إسرائيل الدولة الفلسطينية المستقلة بعدما حشدت السعودية العالم بالتحالف مع أوربا وبشكل خاص بالتحالف مع فرنسا ووافقت 157 دولة على إقامة الدولة الفلسطينية، بعدما رفضت السعودية المشاركة في حارس الازدهار حتى تتوقف إسرائيل عن حرب غزة، وهو ما قاد إلى تشكيل لجنة السلام في غزة بعدما توقفت الحرب في غزة.

أصبحت المواجهة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وشجعت السعودية الطرفان على التوجه نحو التوصل إلى حلول عبر المفاوضات بدلا من اللجوء إلى المواجهة العسكرية، خصوصا بعد لجوء الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ضربات مكثفة ومحدودة سميت بحرب الـ 12 يوما من 13-24 من شهر يونيو 2025 على عشرات الأهداف سميت بعملية الأسد الصاعد تم استهداف مواقع نووية رئيسية ومنشآت عسكرية ومناطق سكنية تواجد فيها قيادات عسكرية وعلماء نوويون إيرانيون.

 الان إيران تتعهد بالانتقام بعد مقتل خامنئي وسط حرب متصاعدة، وبزشكيان يعلن تشكيل مجلس قيادة، وواشنطن وتل أبيب توسعان الهجوم، وأصبح سلوك إيران يتخذ منحى خليطا من الهستيريا الانتقامية وخطة الحرب الشاملة، وباتت إيران تحت إدارة الحرس الثوري وبلا قيادة سياسية، وسياسة إحراق المراكب مع دول الجوار التي بذلت جهودا بقيادة السعودية في منع قيام حرب.

 اكتشفت دول الخليج أن جغرافيتها وحتى اقتصادها مجتمعين أقل قدرة على تحمل حرب مفتوحة، وأن حجم المخاطرة كان واضحا، وشعرت أنها تضررت من هذه الحرب من عمان إلى الإمارات وقطر والبحرين والكويت وأن مظلتها السعودية، بل إن إيران نفسها تبرأت من ضربات المنشآت النفطية في السعودية، عبر نائب وزير الخارجية الإيراني بقوله أبلغنا الأشقاء في السعودية بأن إيران غير مسؤولة عن قصف حقول النفط، وأن هناك أطرافا استهدفت مصفاة رأس تنورة لجر السعودية للحرب قسرًا.

لأن إيران ترى في السعودية وسيط نزيه وهمزة وصل مع العالم خصوصا بعدما أدانت السعودية هذه الحرب ولم تكن إدانتها لفظية بل أعلنت صراحة وضع كافة إمكانياتها لمساندة الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي، وطالبت المجتمع الدولي بأنها سياسة غض الطرف، وطالبت باتخاذ إجراءات حازمة، باعتبار أن المنطقة تمر بمنعطف تاريخي، فالسعودية تقود جبهة التصدي لهذه التجاوزات، واعتبرت الهجمات الإيرانية السافرة على أراضينا لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة وبأي شكل، وفي تحرك استراتيجي ثقيل يهز التوازنات الإقليمية، اشتركت الولايات المتحدة ببيان واحد مع السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، الأردن، تجاه الهجمات الإيرانية، وبالفعل أعطى سمو ولي العهد الضوء الأخضر للجيش السعودي بالرد على إيران حال هاجمت السعودية من جديد.

من يقرأ التحفظ السعودي في الدخول الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران من أن تكاليف الحرب باهظة، فيما كانت هناك فرص وحلول عبر المفاوضات، الدبلوماسية السعودية، اليوم تتحرك من منطلق حماية المكتسبات، ونزع فتيل هذه المواجهة بسبب أن الولايات المتحدة تود من إيران تنازلات بحجم الاشتراطات الأمريكية الصعبة لبناء نظام جديد يتفق مع توجهات الولايات المتحدة وحتى أوروبا من أن إيران ضرورة للغرب، وترمب لا يرغب إطالة الحرب بسبب تكاليفها الاستراتيجية العالية، لكن الحرب توسعت عكس ما يرغب به ترمب، أتت لصالح إسرائيل، في إشعال الشرق الأوسط وإدخاله في الفوضى.

فالسعودية ترفض فخ الاستدراج ومصيدة الجغرافيا، بسبب أن إيران جارة للخليج، وليست جارة لواشنطن، او تل أبيب، مضيق هرمز شريان الخليج، واي تصعيد يعني تحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف دفاعي واقتصادي، ستكون دول الخليج هي المتضرر الأكبر من أي حرب شاملة، ونجحت في نفي تصريحات ترمب من جر السعودية المشاركة في أي حرب ضد إيران، فالمتحدث الرسمي باسم السفارة السعودية في واشنطن، أكد ان السعودية كانت متسقة في دعم الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى صفقة مع إيران، لم نضغط على ترمب لتبني سياسة مختلفة في أي وقت من الأوقات،  ترفض السعودية أن تكون مقدرات الوطن والمنطقة وقودا لصراعات دولية لا تخدم استقرار المنطقة التنموية.

 فدول الخليج وضعت في حرب لم تردها ولم تقررها وترفض المشاركة فيها، فأمريكا تدافع عن إسرائيل ولا تلقي بالا لدول الخليج وبشكل خاص التي تتواجد فيها قواعد عسكرية لأمريكا كان الأولى ان تدافع عنها كما تدافع عن إسرائيل لكن تركتها تتعرض لضربات إيرانية.

لذلك تفضل السعودية الدفاع بدلا من الهجوم وهي من ذاقت الويلات من هذا النظام الذي دمر دولا عربية من العراق وسوريا ولبنان واليمن، لكن إيران اليوم ليست كما كانت في عام 2015 فهي في أضعف حالاتها، وهي لا تود مواجهة مع دول الخليج وعلى رأسها السعودية ومستعدة للتعاون والاندماج في المنطقة بعدما شعرت بفشل مشروعها وتخلي الغرب عن دعم مشروعها، وفي وقت يؤكد فيه علي لاريجاني أن إيران لن تتفاوض مع الولايات المتحدة، تكشف تقارير وول ستريت جورنال نقلا عن مسؤولين أميركيين وعرب عن تحركات عبر وسطاء عمانيين لاستئناف المفاوضات ومحاولة إحياء المحادثات النووية.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

                  [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment