ما الذي تريده الولايات المتحدة وإسرائيل من جولات الحرب المتجددة تجاه إيران؟

03/03/2026 - 13:22 PM

Arab American Target

 

 رشيد ج. مينا

على مدى أكثر من أربعين عامًا، ورغم كل ما قام به النظام الإيراني منذ إسقاط نظام الشاه، لم تُقدِم الولايات المتحدة أو إسرائيل على مواجهة شاملة تهدف إلى إسقاط هذا النظام أو إنهاء دوره جذريًا. لم تكن المصالح الأمريكية مهدَّدة تهديدًا وجوديًا، رغم الخطاب الإيراني المرتفع السقف والمعادي لواشنطن وتل أبيب. ذلك الخطاب لم يكن يومًا أكثر من أداة تعبئة داخلية وخارجية، ومفتاحًا للتغلغل في النسيج العربي الرافض للسياسات الأمريكية والمعادي لإسرائيل.

رفعت إيران شعار «تصدير الثورة»، لكن ما صُدِّر فعليًا كان الفوضى وعدم الاستقرار. فوضى تتقاطع – بشكل أو بآخر – مع ما عُرف أمريكيًا بـ«الفوضى الخلّاقة». في العراق، تماهى الدور الإيراني مع نتائج الغزو الأمريكي، وإن اختلفت الشعارات. النتيجة كانت واحدة: تدمير الدولة العراقية، تفكيك مؤسساتها، وإعادة تشكيلها ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ، ما أضعف دورها الإقليمي وغيّر توازنات المنطقة.

ومن العراق، تمدّد النفوذ الإيراني إلى سوريا ولبنان وغزة واليمن. بُنيت قوى وفصائل، وقُدّم لها الدعم، لكن المحصلة كانت إضعاف الدول الوطنية، واستنزاف مجتمعاتها، وفتح المجال أمام مشاريع توسعية أخرى للاستفادة من حالة الانهيار العام.

ما يجري اليوم على خط المواجهة الأمريكية/الإسرائيلية – الإيرانية لا يبدو أنه مشروع لإسقاط النظام الإيراني، رغم الاغتيالات والضربات التي طالت قيادات بارزة فيه. الحديث المتكرر عن أن إسقاط النظام «مهمة الشعب الإيراني» يوحي بأن الهدف ليس الهدم الكامل، بل الضبط وتغيير السلوك وإعادة التموضع.

المراد – على الأرجح – تحجيم الدور الإقليمي الإيراني، وقطع امتداداته، ومنعه من امتلاك قدرة نووية أو سلاح استراتيجي قد يشكل تهديدًا مباشرًا لإسرائيل أو لممرات الطاقة والتجارة العالمية. كما يدخل ذلك في سياق أوسع يتعلق بمحاولة فكّ ارتباط إيران – أو إضعافه – بمحور روسيا والصين، في ظل الصراع الدولي المتصاعد، خصوصًا مع الصين. إسرائيل في هذا الإطار ليست سوى أداة ضغط متقدمة ضمن الاستراتيجية الأمريكية الأشمل.

أما لجوء إيران إلى الرد عبر ساحات عربية بذريعة استهداف قواعد أو مواقع أمريكية، فهو يتجاوز كونه ردًا تكتيكيًا. إنه ينسجم مع منطق إدارة الصراع عبر الوكلاء، وإغراق الإقليم في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار. وينطبق الأمر ذاته على تحركات حلفائها، بما يضع دولًا كلبنان في دائرة أخطار لا طاقة لها بها، ويدخلها في حروب مدمرة لا تخدم مصالحها الوطنية.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تُستخدم الساحات العربية دومًا كساحة رسائل متبادلة؟

الإجابة لا تتعلق فقط بطموحات إيران أو بحسابات واشنطن، بل أيضًا بغياب المشروع العربي الموحد. تفكك الموقف العربي جعل المنطقة عرضة لأن تتحول إلى ميادين صراع تُدار فوق أرضها وبدماء شعوبها، فيما تُحسم التفاهمات على طاولات الآخرين.

الأخطر أن العرب لم يظهروا، حتى الآن، أنهم استخلصوا الدروس والعبر مما جرى ويجري، ولا مما عاشوه سابقًا في تجربة تدمير العراق تحت ذرائع ثبت لاحقًا بطلانها. ما حدث هناك لم يكن استثناءً، بل نموذجًا لطريقة إعادة تشكيل الدول حين تُفقد قدرتها على حماية نفسها أو صياغة موقف جماعي يحمي مصالحها.

العالم اليوم يُعاد تشكيله بالقوة، وبإعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات والممرات الاستراتيجية. الصراع الأمريكي–الإيراني ليس معركة عاطفية ولا مواجهة عقائدية، بل عملية إعادة ضبط توازنات كبرى، فيما تُستخدم الساحات العربية أدوات ضغط وميادين رسائل.

المشكلة ليست فقط في واشنطن ولا في طهران، بل في غياب القرار العربي المستقل. ما جرى في العراق كان إنذارًا مبكرًا، وما يجري اليوم في أكثر من ساحة هو استمرار للنموذج ذاته بأدوات مختلفة. ومع ذلك، لم يتشكل حتى الآن موقف عربي موحد يمنع تحويل الدول العربية إلى مسارح صراع.

إذا استمر هذا الواقع، فلن يكون العرب شركاء في صياغة النظام الإقليمي الجديد، بل موضوعًا يُعاد ترتيب داخله. المرحلة لا تحتمل الحياد السلبي، ولا الاكتفاء بالمراقبة.

إما أن يبني العرب مشروعًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا يحمي مصالحهم ويضع خطوطًا حمراء واضحة أمام كل من واشنطن وطهران، وإما أن تبقى المنطقة ساحة اشتباك دائمة، تُدار فوق أرضها الصراعات ويُعاد رسم حدود نفوذها من خارجها.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment