| كلمة ترحيبية وتقديرية بكل فخر واعتزاز، تستقبل بيروت تايمز اليوم أحد الأسماء الصحفية اللامعة التي تركت بصمتها العميقة في ميادين الإعلام العربي والدولي منذ ما يقارب نصف قرن. نرحّب بانضمام الكاتب والصحافي المخضرم "جمال دملج"، الذي بدأ رحلته المهنية عام 1977، وحمل قلمه وخبرته إلى عواصم العالم، من لندن إلى موسكو، ومن قبرص واليونان إلى بغداد وغروزني ومقديشو ومزار شريف، مرورًا بأهم المؤسسات الإعلامية العربية والدولية. شكّلت تجربته المهنية الممتدة لأكثر من 32 عامًا في الاغتراب سجلًا غنيًا بالعمل الميداني، والتحقيقات، والتغطيات من مناطق النزاع، والمكاتب الدولية، حيث عمل مع صحيفة الشرق الأوسط، إم بي سي، بي بي سي عربي، قناة الجزيرة، قناة أبو ظبي، وقناة العربية، وصولًا إلى تولّيه منصب مدير الأخبار في تلفزيون أورينت عند تأسيسه عام 2010. واليوم، يعود إلى لبنان حاملًا معه خبرة نادرة، ورؤية واسعة، وذاكرة مهنية مليئة بالشهادات الحية على تحوّلات المنطقة والعالم. إن انضمامه إلى أسرة بيروت تايمز ليس مجرد إضافة اسم جديد، بل هو إثراء حقيقي لخطّنا التحريري، ورفدٌ لنخبة كتّابنا بصوت يمتلك عمق التجربة، ورصانة التحليل، وصدق الميدان. نؤمن أن حضوره بيننا سيمنح قرّاءنا مساحة أوسع من الفهم، وزاوية أكثر نضجًا في تناول الأحداث، وكتابات تحمل ثقل السنين وحرارة الحقيقة. نرحّب به زميلًا وشريكًا في صناعة محتوى مهني ومسؤول، ونعتبر انضمامه خطوة تعكس التزامنا الدائم برفع مستوى الصحافة والاعلام الجريء والحر، وتقديم الأفضل لجمهورنا في لبنان والاغتراب والعالم. أهلاً في بيتك الجديد… بيروت تايمز. |
كتب جمال دملج *
في اليوم الرابع من الحرب المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كمن يسابق ألسنة اللهب بيدٍ ديبلوماسية ممدودة. سلسلة اتصالات هاتفية أجراها مع قادة الإمارات والبحرين والسعودية وقطر حملت عرضًا واضحًا: موسكو مستعدة لاستغلال علاقاتها الوثيقة بطهران للمساعدة في استعادة الهدوء إلى الشرق الأوسط.
لكن السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت روسيا راغبة في لعب دور الوسيط، بل ما إذا كانت تملك فعلًا القدرة على ذلك في لحظةٍ يتصرّف فيها أحد أطراف النزاع بمنطق “الثور الجريح”، بينما يصرّ الطرفان الآخران على مواصلة العمليات حتى تحقيق أهدافهما المعلنة.
موسكو بين الإدانة والحسابات الباردة
الكرملين وصف الضربات الأميركية والإسرائيلية بأنها "عدوان غير مبرر"، وندد بوتين باغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، معتبرًا إياه جريمة "نكراء". كما أكد أن موسكو على اتصال مستمر بالقيادة الإيرانية.
في الظاهر، يبدو الموقف الروسي متماهيًا مع حليفه الاستراتيجي. فالشراكة مع طهران تُعدّ بالنسبة لموسكو إحدى ركائز ما تبقّى من نفوذها في الشرق الأوسط، بعد التراجع الذي أصاب حضورها إثر سقوط حليفهما المشترك بشار الأسد قبل أكثر من عام. كذلك، لا يمكن إغفال أن ارتفاع أسعار النفط يصبّ اقتصاديًا في مصلحة روسيا، كما أن انشغال واشنطن بجبهة شرق أوسطية قد يخفف الضغط عن موسكو في الساحة الأوكرانية.
غير أن هذه المكاسب المحتملة تصطدم بحسابات أعمق: فالحرب الجوية الأميركية – الإسرائيلية تتعارض مع الرؤية الروسية لنظام دولي متعدد الأقطاب، لا تهيمن عليه الولايات المتحدة وحدها. والأهم، أن موسكو لا ترغب في استعداء إدارة الرئيس دونالد ترامب، في وقت تتوسط فيه واشنطن في مسار التهدئة المتعلق بالحرب في أوكرانيا. إنها لعبة توازن دقيقة: لا خسارة لطهران، ولا قطيعة مع واشنطن.
إيران... منطق التصعيد الشامل
غير أن المشكلة الجوهرية في أي مسعى روسي تكمن في السلوك الإيراني نفسه. فالهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت أماكن مدنية في دول الخليج والأردن، إضافة إلى استهداف مقر السفارة الأميركية في الرياض، والمطارات والموانئ والمرافق السياحية في الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وسلطنة عُمان والأردن وكردستان، لا تعكس استراتيجية ردع محسوبة بقدر ما توحي بردود فعل غوغائية متفلّتة.
إقحام حلفاء طهران في العراق ولبنان في المواجهة، وتوسيع رقعة النار أفقيًا، يبعث برسالة معاكسة تمامًا لأي محاولة تهدئة. فبدل أن تحصر إيران المعركة في إطار الردّ العسكري المباشر على الضربات، اختارت توسيعها إلى ساحات متعددة، بما يعزز الانطباع بأنها تتصرّف تحت وطأة الصدمة، لا وفق حسابات توازن دقيقة.
في مثل هذه الأجواء، تبدو الديبلوماسية الروسية أشبه بمحاولة الإمساك بدفّة سفينة وسط إعصار، فيما القبطان نفسه يرفض تخفيف السرعة.
إصرار أميركي – إسرائيلي... وغياب مؤشرات التراجع
على الضفة المقابلة، لا توحي المؤشرات بأن واشنطن أو تل أبيب في وارد التراجع. الخطاب الرسمي من العاصمتين يؤكد مواصلة العمليات حتى تحقيق الأهداف العسكرية المعلنة، سواء تعلّق الأمر بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية أو بمخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة أو بمنظومات القيادة والسيطرة.
الأخطر أن طهران، حتى اللحظة، لم تُظهر أي استعداد فعلي للتفاعل مع هذه الأهداف أو لفتح نافذة تفاوض جدية. وفي ظل هذا الانسداد المتبادل، تتقلص فرص نجاح أي وساطة، أياً كان وزن الدولة التي تقف خلفها.
حدود النفوذ الروسي
صحيح أن لروسيا علاقات متشعبة مع إيران، وصحيح أن بعض العواصم الخليجية ترى في موسكو قناة تواصل محتملة مع طهران. لكن النفوذ لا يعني السيطرة، والشراكة لا تعني القدرة على الإلزام.
فإيران التي تخوض معركة وجود، بعد استهداف قيادتها العليا وضرب عمقها العسكري، قد لا تكون في مزاج الإصغاء لنصائح ضبط النفس، حتى لو أتت من الكرملين. كما أن الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما في ذروة عمليات عسكرية مكثفة، لن تمنحا أي وسيط فرصة حقيقية قبل اختبار أقصى ما يمكن أن تحققه القوة على الأرض.
بوتين... دور الممكن لا دور الحاسم
ما الذي يطمح إليه بوتين إذًا؟
على الأرجح، يسعى إلى تثبيت صورة روسيا كقوة دولية لا تزال حاضرة في معادلات الشرق الأوسط، وقادرة على مخاطبة جميع الأطراف. هو عرض للوساطة بقدر ما هو استثمار سياسي في لحظة إقليمية حرجة، ومحاولة لقطع الطريق على تهميش موسكو في ترتيبات ما بعد الحرب.
لكن، على المدى المنظور، تبدو فرص نجاح هذا المسعى محدودة للغاية. فحين تختلط مشاعر الانتقام بحسابات الردع، وحين تتحول الضربات العسكرية إلى رسائل وجودية، تتراجع الديبلوماسية إلى الصفوف الخلفية.
ربما تنجح موسكو لاحقًا، إذا ما استُنزفت الأطراف وبدأت تبحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه. أما اليوم، وفي خضم تصرفات إيرانية توحي بذهنية "الثور الجريح"، وإصرار أميركي – إسرائيلي على الحسم، فإن الدور الروسي يبدو أقرب إلى تسجيل موقف استراتيجي منه إلى صناعة تسوية فعلية. وفي الشرق الأوسط، كما أثبتت التجارب، الفارق شاسع بين من يعرض الوساطة ومن يملك مفاتيح وقف النار.













03/02/2026 - 20:34 PM





Comments