خطّان أحمران للسياسة الأميركية في إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية

03/02/2026 - 08:16 AM

Arab American Target

 

 

 

بقلم: شربل عبد الله أنطون

أدّى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في عملية مشتركة أميركية-إسرائيلية إلى إدخال الجمهورية الإسلامية في أكثر مرحلة انتقالية غامضة منذ ثورة 1979. خلال ساعات من إعلان الخبر، بدأ يتم تداول الخرائط في واشنطن وعلى قنوات المعارضين: إيران فدرالية بأقاليم كردية وعربية وبلوشية وأذرية تتمتع بحكم ذاتي؛ إيران كونفدرالية تتجه نحو تقسيم ناعم؛ وحتى فسيفساء من دويلات صغيرة تُستخرج من انهيار الجمهورية الإسلامية. ومع تحوّل أزمة الخلافة إلى واقع، سيزداد إغراء إعادة تصميم إيران من الخارج. وهذا الإغراء تحديداً هو ما يجب على الولايات المتحدة مقاومته.

اهتزّت البنية القيادية للنظام الإيراني، وبدأت الأجنحة المتنافسة فيه بالمناورة للسيطرة على البلاد. وفي مثل هذا المشهد، سيكون أسوأ ما تفعله واشنطن هو تقديم "مخطط دستوري جاهز" لإيران: فدرالية هنا، كونفدرالية هناك، حدود جديدة لكل منطقة عندها مشكلة.  هكذا تتحوّل الفرصة الاستراتيجية إلى مستنقع طويل. إن مسألة ما إذا كانت إيران ستصبح جمهورية مركزية، أو اتحاداً فدرالياً، أو صيغة أكثر مرونة، يجب أن يحسمها الإيرانيون أنفسهم فيما بينهم، لا عبر محامين أميركيين، أو خرائط ينتجها خبراء مراكز الأبحاث في واشنطن، أو سياسيين منفيين يحملون خرائط جاهزة. الدور الحكيم لواشنطن هو رسم بعض الخطوط الحمراء الصارمة وتحديد تفضيلات عامة، ثم الخروج من «لعبة» تصميم ملامح البيت الداخلي الإيراني.

الخط الأحمر الأول: لا لاستراتيجية التفكيك يجب أن يكون الخط الأحمر الأول صريحاً: ينبغي على الولايات المتحدة ألا تنتهِجَ، أو تُؤَيِّدَ، أو حتى تُلمح إلى استراتيجية تفكيك إيران. ففي المناخ المشحون بعد مقتل خامنئي، أي تلميح لأجندة تقسيمية سيُؤكد فوراً رواية النظام القديمة بأن الغرب يسعى لتمزيق إيران. كما ستفتح الباب أمام القوى الإقليمية والدولية للتعامل مع الأطراف الإيرانية كمساحات نفوذ مفتوحة: كيان عربي في خوزستان تحت تأثير خليجي، وكيان كردي تحت ضغط تركيا، كيان بلوشي تحت مراقبة باكستان. هذا ليس حلاً؛ بل وصفة لحروب حدودية وصراعات بالوكالة وتطهير عرقي فوق أنقاض الجمهورية الإسلامية. السياسة الأميركية المسؤولة يجب أن تقول بوضوح: لسنا بصدد إعادة رسم حدود إيران أو تحويلها إلى رقعة من الدويلات.

الخط الأحمر الثاني: لا لطاغية مركزي جديد باسم «الاستقرار»

الخطر المعاكس هو الوقوع في النقيض، أي دعم «رجل قوي» واحد يُسوَّق باعتباره الضامن الوحيد لوحدة البلاد. فالتحركات المبكرة للحرس الثوري بعد مقتل خامنئي — من الانتشار الطارئ إلى «لجان التنسيق» الغامضة — تُظهر كيف يمكن لجهاز أمني أن يقدّم نفسه بسرعة كضامن وحيد للنظام. لكن استبدال نظام استبدادي مفرط في المركزية بآخر يشبهه يعني الحفاظ على المنطق نفسه الذي أوصل إيران إلى أزمتها الراهنة: مركز متغوّل، أقاليم تُعامل كمستعمرات داخلية، ودولة أمنية تدين بالولاء لشخص لا للقانون. وإذا وضعت واشنطن ثقلها خلف «شاه» جديد، أو «مرشد أعلى» جديد، أو جنرال جديد، فإنها ستتحمل مسؤولية قمعه وفساده تماماً كما تحملت مسؤولية فشل «المنطقة الخضراء» في بغداد وقصر كابول في أفغانستان.

المساحة الفاصلة: إيران لا مركزية، موحدة، يصمّمها الإيرانيون

بين هذين الخطين الأحمرين يمكن أن تتبلور التفضيلات الأميركية الواقعية: إيران موحّدة جغرافياً، لكنها لامركزية بعمق، ويصوغها الإيرانيون بأنفسهم. قد يعني ذلك دولة ديمقراطية موحدة مُعاد إصلاحها مع تفويض واسع للأقاليم، أو نظاماً فدرالياً حقيقياً تنتخب فيه المحافظات حكّامها، وتدير شرطتها المحلية، وتحدد سياساتها التعليمية واللغوية، وتحصل على حصتها العادلة من الإيرادات الوطنية. التسمية ليست الأساس؛ المهم هو انتقال السلطة من مركز يبتلع كل شيء إلى مؤسسات محلية قوية محكومة بقواعد وطنية. يجب أن تميل واشنطن نحو «لامركزية عقلانية» فيها: صلاحيات حقيقية للأطراف، وضوابط حقيقية على المركز، وعلم واحد وسياسة خارجية واحدة.

دَوْرٌ أَمِيرْكِيٌّ مُخْتَلِفٌ

خلق مقتل خامنئي فراغاً ستسعى قوى إقليمية ودولية إلى ملئه. دور الولايات المتحدة ليس تصميم النظام الداخلي لإيران، بل حماية الإطار الخارجي الذي يتفاوض الإيرانيون داخله. وهذا يشمل:

- ردع القوى الإقليمية عن اقتطاع مناطق نفوذ داخل إيران بينما تكون البلاد في أضعف حالاتها

- تقديم دعم اقتصادي وتقني لأي جمعية تأسيسية قد تتشكل

- دعم مراقبة موثوقة لأي استفتاءات أو انتخابات

- الامتناع عن الحكم المسبق على ما إذا كانت الصيغة النهائية «موحدة» أو «فدرالية» أو شيئاً بينهما.

لَا يَجِبْ أَنْ تَكُونَ الولايات المتحدة محايدة تجاه النتائج بل منضبطة في الوسائل. وذلك عبر اعلان البيت الأبيض بشكل صارم ما لا يمكن قبوله وهو التقسيم والديكتاتورية الجديدة. ثم ترك الإيرانيين يتفاوضون على عقد جديد بين المركز والأطراف ضمن هذه الْخُطُوطِ.

صانعو الخرائط بدأوا عملهم

مراكز الأبحاث بدأت بالفعل بإنتاج تصاميم فدرالية أنيقة. مجموعات في المنفى تروّج لمشاريع كونفدرالية تعٍد بالعدالة الفورية لكل جماعة متضررة. القوى الإقليمية تموّل بهدوء خرائطها المفضلة. وفي لحظة كهذه، السياسة الأميركية المسؤولة الوحيدة هي كبح جماح صانعي خرائطها، ورسم خطوط حمراء قليلة، والإصرار على أن يقرر الإيرانيون — وحدهم — شكل دولتهم من الداخل. فعندما تصمّم أميركا أسلاك بيتٍ ليس لها، ستجد نفسها مسؤولة عن كل انقطاع للكهرباء فيه.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment