معتز فخرالدين
اغتيال علي خامنئي ليس مجرد حدث أمني كبير، بل لحظة زلزالية تضرب مركز الشرعية في الجمهورية الإسلامية. للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العراقية–الإيرانية، تجد إيران نفسها في حرب مفتوحة خارجيًا وبدون مرشد داخليًا. هذه ليست أزمة عادية؛ إنها اختبار بقاء.
في مثل هذه اللحظات، تتبلور مسارات حادة لا مساحات رمادية. والسيناريوهات الواقعية تنحصر في مسارين متصارعين:
المسار الأول: التفكك تحت الضغط
سقوط النظام ليس مستحيلًا. بل إن تزامن اغتيال رأس السلطة مع حرب إقليمية واسعة يخلق بيئة مثالية لتراكم الصدمات. إذا تحولت المنافسة داخل النخبة إلى صراع علني، وإذا انقسم الحرس الثوري بين مراكز نفوذ متباينة، وإذا ترافقت الضربات العسكرية مع انفجار داخلي واسع يتجاوز قدرة الأجهزة على الضبط، فإن الانهيار يصبح احتمالًا جديًا.
الأنظمة الأيديولوجية تسقط حين تفقد احتكارها للعنف المنظم، أو حين يتآكل الإيمان الداخلي بقدرتها على الحماية. وفي حال عجزت القيادة الجديدة عن فرض صورة سيطرة سريعة، قد تنتقل العدوى من القمة إلى القاعدة.
هذا المسار يتطلب تسلسلًا متزامنًا من الفشل: سياسي، أمني، وعسكري. إن حدث ذلك، فلن يكون السقوط تدريجيًا بل انحدارًا متسارعًا.
المسار الثاني: التحول إلى دولة أمنية صلبة
لكن هناك مسارًا آخر — وأكثر ترجيحًا حتى اللحظة.
الجمهورية الإسلامية لم تعد نظامًا شخصيًا قائمًا على الكاريزما وحدها. خلال العقود الماضية، انتقل مركز الثقل تدريجيًا من المرجعية الدينية إلى المؤسسة الأمنية–العسكرية. الحرس الثوري بات يملك مفاصل القوة: السلاح، الاقتصاد، وشبكات النفوذ الإقليمية.
في ظل الحرب، يميل هذا النوع من الأنظمة إلى التصلب لا التفكك. انتقال السلطة سيتم بسرعة لتثبيت الانضباط، وستُعاد صياغة الشرعية من “شرعية الثورة” إلى “شرعية البقاء”. الأولوية لن تكون للخطاب، بل للسيطرة.
في هذا السيناريو، لن تسقط الجمهورية الإسلامية — بل ستتغير طبيعتها. ستبقى الواجهة الدينية، لكن القرار الفعلي سيتركز أكثر داخل جهاز أمني يرى في الحرب مبررًا لإعادة هندسة الداخل وتشديد القبضة.
أي المسارين أرجح؟
المعطيات الأولية تميل نحو المسار الثاني. لا توجد مؤشرات على انقسام داخل الحرس الثوري، ولا على انهيار في منظومة السيطرة الداخلية. بل إن ضغط المواجهة الخارجية يعزز عادة تماسك النخبة الحاكمة بدل أن يفتتها.
يمكن تقدير احتمال السقوط الكامل بأنه قائم، لكنه مشروط بانفجار داخلي متزامن مع فشل عسكري واضح. أما في غياب هذا التزامن، فالأرجح أن إيران ستخرج من هذه اللحظة أقل ثورية وأكثر مؤسسية، أقل خطابية وأكثر براغماتية في إدارة الصراع.
اغتيال خامنئي إذن ليس بالضرورة نهاية النظام، بل قد يكون اللحظة التي تتحول فيها الجمهورية الإسلامية من نظام يقوده فقيه إلى دولة يقودها جهاز — من شرعية أيديولوجية إلى شرعية أمنية.
السؤال لم يعد إن كانت إيران ستبقى، بل أي إيران ستبقى:
إيران التي تتآكل تحت ضغط الحرب، أم إيران التي تعيد تعريف نفسها كدولة بقاء صلبة خرجت من الصدمة أكثر انضباطًا وأقل قابلية للاختراق؟
الإجابة ستتحدد ليس في خطابات التعزية، بل في قدرة النظام على عبور الأسابيع الأولى دون تصدع داخلي. هناك، فقط، سيُعرف إن كانت هذه اللحظة بداية انهيار… أم لحظة إعادة ولادة تحت النار.













03/01/2026 - 15:56 PM





Comments