بركات شاهين
قال جبران خليل جبران: قد ننسى من أضحكنا، لكننا لن ننسى من أبكانا. والبكاء، حين يصير قدراً يومياً، يتحول من دمعةٍ عابرة إلى ذاكرة وطنٍ كاملة؛ ذاكرة محفورة على جدران البيوت، وفي وجوه الأمهات، وفي أسماء الغائبين.
قرأنا في كتب التاريخ أن نيرون أحرق روما، لكننا لم نقرأ عن نارٍ التهمت أمةً كما التهمت نار الاستبداد سوريا. في عهدٍ طال أمده، كانت البيوت السورية تستيقظ على النواح، وتنام على قلقٍ يطرق الأبواب بلا استئذان. قلوبٌ مفجوعة، أمهاتٌ ثكالى، أطفالٌ كبروا قبل أوانهم، وأرتالُ جنائز تمضي مسرعةً نحو المدافن، كأن الأرض ضاقت بأحيائها قبل موتاها.
ماذا تنفع الكلمات أمام قلبٍ مدمّى؟
وأيُّ خطابٍ يردُّ روحاً غادرت تحت جنازير دبابة؟
حوصرت سوريا بالخوف حتى صار الخوف وطناً بديلاً. تشرد الملايين، وتكاثرت صفوف الأيتام والأرامل وذوي الإعاقة، حتى بدا المشهد كأن البلاد قد تحولت إلى أطلالٍ من وجعٍ متراكم. لم يعد المواطن يسأل عن حقه في الكرامة، بل عن حقه في البقاء؛ وكأن الحياة نفسها منحةٌ تُعطى وتُسحب. صار الخبز امتيازاً، والكهرباء مكافأة، والماء مكافأةً أكبر. وغدا الإنسان ينتظر عطيةً مما هو حقه الأصيل، وكأن لسان الحال يقول: منحناك ثوب الحياة، فإن شكرت أبقيناه، وإن تمرّدت نزعناه.
هكذا أُريد لسوريا أن تُختزل في اسمٍ، وأن تُختصر في عائلة آل الأسد وأن تُعامل كأنها ملكيةٌ خاصة، يُعاد تشكيل البشر فيها كما يُعاد تشكيل الطين في مصنع فخار. عقودٌ من تغييب الوعي، وإفقار الروح، وربط المصير بلقمة العيش، حتى صار المواطن أسير ضروراته اليومية: ماء، كهرباء، وقود، شبكة اتصال… وانكمشت العلاقات الاجتماعية، وضاقت مساحات الأمل، وكأن الوطن غرفة انتظارٍ طويلة بلا موعدٍ محدد للخلاص.
لكن الشعوب لا تموت. قد تُرهَق، قد تنزف، قد تسقط، لكنها لا تفنى.
والسؤال الذي يطلّ علينا بإلحاح: هل تستطيع سوريا أن تنهض كطائر الفينيق من تحت الركام؟ أن تعود كما كانت مهد حضارات، وجسراً بين القارات، ولؤلؤة المتوسط، ودمشق الشام التي حملت التاريخ في اسمها؟
إن بناء الأوطان لا يكون بالقوة وحدها. لقد نُسب إليه قوله: إنك تستطيع أن تبني عرشاً على أسنّة الرماح، لكن لا تستطيع أنتبقى عليه طويلاً. فالدولة التي تقوم على الخوف تبقى غريبةً عن شعبها، مهما ادعت تمثيله. و يقول المثل الألماني حين تغرب شمس العمالقة، تبدو ظلال الأقزام عملاقة ، لكن طول الظل لا يعني عظمة القامة.
ما نريده ليس معجزة، بل عدالة.
ليس صدقة، بل حقاً.
ليس خطاباً، بل نظاماً سياسياً يليق بتضحيات الناس وآلامهم.
نريد حكومةً تنبثق من إرادة الشعب، لا تُفرض عليه. نريد مؤسساتٍ حقيقية، وأحزاباً فاعلة، ودستوراً يصون الحقوق، وسلطةً تُحاسَب ولا تُقدَّس. نريد حكومة تكون في مقام الوطن، لا الوطن في مقامها. نريد ما نادت به الثورات الكبرى من عدالةٍ ومساواةٍ ومواطنةٍ كاملة، كما جسدتها الثورة الفرنسية حين أعلنت أن الشعب مصدر السلطات.
ولعل السؤال الأعمق ليس: كيف ننهض؟
بل: على أيِّ قيمٍ نريد أن ننهض؟
إن الثورة السورية في جوهرها، ليست غضباً عابراً ولا صرخةً في وجه طاغية فحسب، بل مشروعُ ولادةٍ جديدةٍ لوطنٍ يتسع لأبنائه جميعاً. وما نرجوه لسوريا ليس استبدال أسماءٍ بأسماء، ولا وجوهاً بوجوه، بل انتقالاً من منطق الغلبة إلى منطق الدولة، ومن حكم الفرد إلى سيادة القانون.
لقد علمتنا الثورات الكبرى أن الشعوب حين تنتفض، فإنها لا تطلب المستحيل؛ إنها تطلب الاعتراف بإنسانيتها. وكما رفعت الثورة الفرنسية شعار الحرية والمساواة والإخاء، فإن أحلام السوريين لم تكن أبعد من ذلك: حريةٌ تُحرِّر الإنسان من الخوف، مساواةٌ تضع الجميع تحت سقف القانون، وأخوّةٌ وطنيةٌ تداوي شروخ السنين، فلا يُسأل المواطن عن طائفته، ولا عن نسبه، بل عن كفاءته وولائه للوطن.
نريد دولةً يكون فيها الدستور عقداً اجتماعياً حقيقياً، لا نصاً مُعلّقاً على الجدران. دولةً تُصان فيها الكرامة الإنسانية، ويُفصل فيها بين السلطات، وتُحمى فيها الحقوق بالعدل لا بالمزاج، وبالمؤسسات لا بالأشخاص. دولةً يكون الجيش فيها حارس الحدود لا حارس الكرسي، وتكون فيها السياسة خدمةً عامة لا امتيازاً خاصاً.
إن أهداف الثورة السورية — في أنقى صورها — كانت استعادة المعنى: معنى المواطنة، معنى المشاركة، معنى أن يكون لكل صوتٍ وزن، ولكل مواطنٍ مكان. كانت حلماً بدولةٍ لا يخاف فيها الإنسان من طرق الباب، ولا من كلمةٍ قالها، ولا من رأيٍ عبّر عنه. كانت رغبةً في أن يعود الوطن بيتاً، لا ساحة صراع.
قد تختلف الظروف، وتتباين المسارات، لكن القيم الكبرى لا تتبدل: الحرية ليست ترفاً، والعدالة ليست شعاراً، والكرامة ليست منحة. إنها أسس البقاء لأي دولةٍ تريد أن تعيش طويلاً في وجدان شعبها.
وسوريا، التي علّمت العالم أبجدية الحضارة، ليست أقل من أن تكتب فصلها الجديد بمداد القانون والعدالة. فإذا كان الماضي قد أثقلها بالجراح، فإن المستقبل لا يُبنى إلا بالإرادة الجامعة، وبوعيٍ يدرك أن الوطن أكبر من الحاكم، وأبقى من أي سلطة، وأقدس من أي شعار.
عندها فقط، لن يكون البكاء خاتمة الحكاية،
بل بداية الفجر.
سوريا ليست اسماً عابراً في كتاب الجغرافيا، بل قصة حضارةٍ ممتدة. وهي أكبر من أن تُختزل، وأعمق من أن تُمحى، وأصلب من أن تُكسر.
ربما نخشى أن نبكي مرةً أخرى، لكن الأجمل أن نتعلم كيف نحول الدموع إلى وعي، والوجع إلى إرادة، والخسارة إلى بداية.
فالوطن الذي بكى كثيراً، آن له أن يبتسم.













03/01/2026 - 15:29 PM





Comments