مئوية الدستور (٣) : تغذية الكراهية، انتهاك حقوق الإنسان وإبادة منظمة للوجود المسيحي

02/28/2026 - 07:02 AM

Bt adv

 

 

بقلم المحامي فؤاد الأسمر

الدستور هو عقد اجتماعي مؤسِس للدولة، يقوم على رضى الشعب، بمكوناته الثقافية كافة، بالعيش والخضوع لنظام سياسي يحمي هذه المكوّنات، ويضمن التفاعل الإيجابي في ما بينها. وهذه الحماية تفرض وجوباً منع الغاء أي مكوِّن أو تذويبه وانصهاره في هوية ثقافية أخرى.

إن الدولة التي لا تحمي مكوّناتها الثقافية من الزوال تُصَنّف ضمن الدول التي تنتهك حقوق الإنسان.

-الدستور اللبناني لا يحترم الواقع التعددي :

ان دستور لبنان المركزي الاحادي لم يحترم واقع تعدد الهويات الثقافية اللبنانية، بل دمجها ببعضها بصورة عشوائية، وأرسى نظام المحاصصة الطائفية، الأمر الذي غذّى الصراعات بينها ودفع بكل فريق لمحاولة الهيمنة على الآخر وحتى الغائه. نتج عن ذلك الحروب والفتن لاسيما منها في العام ١٩٧٥ والتي تشكّل أهمّ ترجمة للكراهية والصدامات بين اللبنانيين، وما حملته من مجازر بحق المسيحيين.

-استكمال مشروع الغاء المسيحيين بعد الحرب :

بعد الحرب صدرت عدة قوانين تضطهد المسيحيين، من مرسوم التطهير الإداري الذي أقصاهم عن إدارات الدولة، إلى قوانين انتخابية ظالمة تنتقم منهم، إلى قانون التجنيس الشائن والذي تلاعب بالديموغرافيا اللبنانية خدمة لطوائف وتقزيماً للوجود المسيحي.

كما شُنَّت ضدهم حروب نفسية اعتبرتهم فريقاً خاسراً للحرب ولم يعد من مبرر لوجودهم، كما وجرى نعتهم بالخوّنة وعملاء للعدو والتنكيل بهم، الأمر الذي ساهم بتفريغ المجتمع المسيحي من أبنائه وطاقاته.

 

-بظلّ سلطة "المقاومة الإسلامية في لبنان" :

منذ العام ٢٠٠٥، يهيّمن فريق على البلد ويستقوي بسلاحه غير الشرعي تحت تسمية "المقاومة الإسلامية في لبنان"، ويسعى إلى إلغاء باقي شركائه في الوطن، لاسيما المسيحيين منهم، عبر السيطرة على قرارهم السياسي، والاستيلاء على مناطقهم وأملاكهم بجميع الوسائل، وتسميم شبابهم بالمخدرات، وضرب ثقلهم الاقتصادي وبث اليأس في نفوسهم، والتهليل لانهيار عددهم إلى أقل من الثلث بعد ان كانوا يشكلون ٦٠٪؜ من اللبنانيين.

بالمقابل يسعى فريق آخر لاستغلال ملف النازحين السوريين، ونِسَب ولاداتهم المرتفعة ومكتوميّة قيدهم، وذلك ضمن حلبة الصراع الديموغرافي هذا.

-الحل يكمن بتصويب المسار الدستوري :

ان هذا المسار الدستوري الطويل بعيوبه وحروبه واستهدافاته يشكل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان عبر إبادة منظمة ومستمرة للوجود المسيحي، حيث تعاني أقليات مسيحية كالأرمن والإنجيليين واللاتين والسريان والكلدان والآشوريين من خطر الزوال على المدى القريب، في حين تعاني المجموعات المسيحية الكبرى من هذا الخطر على المدى البعيد.

مما يوجب لزوماً الاحتكام لعلوم القانون والسياسة والاجتماع وللتجارب الدولية التي تثبت جميعها بأن الدستور قادر، بحال تم اصلاحه وإقرار التعددية الثقافية وإعادة توزيع السلطات، على حماية مختلف ثقافات المجتمع، والحدّ من الحروب والأزمات، وتثبيت الأمن والاستقرار وتحقيق الإزدهار.

فهل يقتضي السكوت عن زوال هويات ثقافية مكوّنة للكيان اللبناني بإسم الدستور والوحدة الوطنية؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment