صورة النائب سليم الصايغ في إفطار جمعية المبرات الخيرية

02/27/2026 - 12:48 PM

Arab American Target

 

 

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

حصل تفاعل كبير مع نشر النائب سليم الصايغ صورته مشاركا في افطار جمعية المبرات الخيرية، المؤسسة التي أرسى دعائمها المرجع الراحل محمد حسين فضل الله، انفتح النقاش على ما هو أبعد من إطار المناسبة، وتحوّل التفاعل إلى سؤالٍ عن المعنى قبل أن يكون عن المشهد.

في العرف السياسي اللبناني، حيث تختلط الرموز بالإشارات، لا يختلف اثنان على ثقافة الدكتور الصايغ وحضوره الفكري. هو من قلّةٍ تمارس السياسة علنًا في الانتماء والتموضع، انما ببراغماتية لا تنفصل عن وضوحٍ في الموقف الوطني. رجلٌ بطبعه أقرب إلى تقاليد النخبة التي تميّز بها لبنان في زمنٍ مضى، لا من حيث الامتياز الطبقي، بل من حيث سعة الاطلاع ورصانة المنهج وبلاغة التعبير. فيه من الأرستقراطية الفكرية ما يجعل الكلمة عنده موقفًا، والموقف مسؤولية.

ولعلّ ما يثير الانتباه أن كثيرين من الشيعة، كما سواهم من عشّاق فكر علي بن أبي طالب، ينصتون إليه حين يتناول شخصية الإمام علي، وكأنّ على رؤوسهم الطير. يتحدث من خارج الاصطفاف المذهبي، فيدخل إلى عمق التجربة العلوية من بابها الإنساني والفلسفي. لا يزايد، ولا يستعير خطابًا، بل يحاور النصّ والتراث بعقلٍ مارونيٍّ مشرقيّ، يلتقي فيه الإيمان بالعقل، والتاريخ بالحاضر.

لا يمكن لأحدٍ أن يزايد على الكنيسة المارونية التي وضعت قدراتها وإمكاناتها ومكانتها العالمية في خدمة جمع كتب وكلمات وطروحات الإمام علي بن أبي طالب وطبعها ونشر فكره الانساني عالميًا.

كما لا أعظم من جبران خليل جبران الذي بلغ ذروة البيان حين تناول عليًا بروح العارف، ولا أدقّ وأعمق من جورج جرداق الذي أبدع في رسم عدالته بأدوات الأديب الموسوعي، وكذلك بولس سلامة في ملحمته الخالدة "علي والحسين". غير أنّ ما يميّز سليم الصايغ ليس إعادة السرد، بل إسقاط الفكرة على راهن السياسة والاجتماع؛ إذ يجمع بين فكر الإمام علي ومقاربته للدولة والعدالة والمجتمع، فيجعل من العدالة معيارًا، ومن الكرامة الإنسانية ميزانًا، ومن الشراكة الوطنية قاعدةً لا تفصيلًا.

إنه حالة نادرة في زمن الانقسامات. مع انه قد "يقسو" بموقفه السياسي أحيانًا، على فئة معينة، لكنّ شخصيته تبقى موضع إجماعٍ وطنيٍّ لِما فيها من لطفٍ في المعشر وصلابةٍ في الفكرة. وفي بلدٍ تتنازعه العصبيات الطائفية والإثنية، تُعوَّل اللحظات الصعبة على أمثال هؤلاء، لا لأنهم بلا انتماء، بل لأن انتماءهم أوسع من حدود الحزب، وأعمق من حسابات اللحظة.

أصدقاء فرنسيون من أصول لبنانية وغيرهم، كلما تحدّثت إليهم عنه، يخالهم السامع كأن الرجل يجلس بيننا. أحدثهم عنه لا بدافع الإعجاب الشخصي فحسب، بل لأنني أراه نموذجًا يُحتذى في الجمع بين الإيمان بلبنان كفكرة، والعمل له كقضية. قد نختلف في التفاصيل السياسية، لكنّ الغاية تبقى واحدة: أن يبقى لبنان حالة وجودية، إيمانية، تتجاوز الجغرافيا إلى الرسالة.

ومن هذا المنظور، لا يعود حضور الصايغ في مجالس الطائفة الشيعية مسألة مجاملة عابرة، بل تعبيرًا عن فهمٍ أوسع للانتماء. فالانتماء إلى "الامام علي" ليس حكرًا مذهبيًا، بل هو انتماء إلى العدالة بوصفها قيمة إنسانية كبرى. وحين يلتقي مارونيٌّ بهذا المعنى مع شيعيٍّ في رحاب فكرة، يكون لبنان قد استعاد شيئًا من صورته الأولى.

"وهذا ما يهمني دائما واعمل عليه لاجل لبنان،

في لحظةٍ تاريخيةٍ يقف فيها الوطن على مفترق طرق، وسط تحوّلات شرق أوسطية عاصفة، لا يملك أحدٌ أن يملي على أحدٍ ما يجب أن يفعل. غير أنّ التاريخ، حين تضيق السبل، يستدعي الرجال الذين يملكون شجاعة الفكرة وحكمة القرار. سواء تموضعوا في أحزاب أو في تيارات، تبقى قيمتهم في قدرتهم على أن يكونوا أكثر من مواقعهم.

من باب الفكر، ومن موقع الاحترام، أقول: إن الدكتور سليم الصايغ ليس تفصيلًا في مشهدٍ عابر، بل احتمالُ دورٍ يُكتب في سجلّ الأوطان، حين تحين الساعة الفاصلة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment