بيار مارون *
تتحول المفاوضات الأميركية–الإيرانية في مطلع عام 2026 إلى اختبار يتجاوز الملف النووي نفسه، ليطال قدرة الشرق الأوسط على تجنّب انفجار إقليمي واسع. فخلف التصريحات الهادئة والابتسامات الدبلوماسية، تدور معركة أكثر تعقيدًا: معركة على حدود الردع، وعلى شكل النفوذ، وعلى الكلفة التي يستطيع كل طرف فرضها على الآخر من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وهكذا، تبدو الصورة الحقيقية أبعد بكثير مما تعكسه البيانات الرسمية؛ إذ تشير المؤشرات المتاحة—من لغة الوسطاء إلى تحركات القوات وتذبذب الأسواق—إلى تقدّم ملموس لكنه هشّ، وإلى حرب غير حتمية، لكنها ليست بعيدة بما يكفي لطمأنة أحد.
انتهت جولة جنيف الثالثة من دون اتفاق نهائي، لكن الوسطاء تحدثوا عن “تقدّم كبير”، فيما وصفها المفاوضون الإيرانيون بأنها من “الأكثر شدة وطولًا”. الانتقال إلى محادثات فنية في فيينا يعكس رغبة الطرفين في إبقاء القنوات مفتوحة واختبار إمكان صياغة ترتيب انتقالي قابل للتحقق. ومع ذلك، يبقى جوهر الخلاف ثابتًا: واشنطن تريد سقفًا تفاوضيًا يقترب من وقف التخصيب أو خفضه إلى مستويات شديدة الانخفاض، مع قيود صارمة على المخزون وأماكن التخصيب؛ فيما تتمسك طهران بحقها في التخصيب وترفض ربط الملف النووي بملفات الصواريخ والوكلاء. أي اتفاق محتمل—إن وُلد—سيكون بطبيعته محدودًا: خفض قابل للقياس في الأنشطة الأكثر حساسية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، مع ترحيل الملفات الأشد تعقيدًا إلى مرحلة لاحقة.
وتُظهر تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجود فجوات في القدرة على التحقق من حجم ومكان مخزون اليورانيوم المخصب، نتيجة أضرار لحقت ببعض المواقع خلال حرب 2025. هذه الفجوات تفرض قيدًا خفيًا على أي اتفاق، لأن اتفاقًا لا يمكن التحقق منه يصبح هشًا سياسيًا في واشنطن ومكلفًا تفاوضيًا لطهران. ومع اقتراب اجتماعات مجلس المحافظين، تتحول المفاوضات إلى سباق لتقليص مساحة الشك قبل أن تتحول الشكوك إلى قرارات تصعيد.
وفي خلفية المشهد، تبرز الصين بوصفها شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا لطهران وفاعلًا مؤثرًا في معادلات الطاقة الآسيوية. بكين تنظر إلى أي “هدنة نووية” من زاوية مصالحها: استقرار الإمدادات، حماية استثماراتها، ومنع أي ترتيبات تُعيد تشكيل الإقليم بطريقة تُقيّد نفوذها. لذلك تتحرك بهدوء عبر رسائل دبلوماسية واقتصادية لضمان ألا يتحول أي اتفاق إلى فرصة لإعادة توزيع النفوذ على حسابها. وهكذا تصبح “هندسة الهدنة” بالنسبة لواشنطن معادلة ثلاثية الأطراف، لا ثنائية.
أما إسرائيل فتتحرك خارج غرفة التفاوض، لكنها حاضرة بقوة في حسابات القرار. تل أبيب لا تكتفي بمعارضة اتفاق “ضعيف”، بل تسعى إلى رفع كلفة أي صفقة لا تقترب من شروطها. تصريحات نتنياهو حول ضرورة تفكيك البنية النووية الإيرانية بالكامل ليست مجرد موقف سياسي، بل محاولة لرفع سقف الشروط الأميركية. وتستخدم إسرائيل أدوات متعددة: تقديرات استخباراتية تُغذّي المؤسسات الأميركية، ضغطًا سياسيًا داخل واشنطن، ورسائل عسكرية تهدف إلى خلق ظلّ تهديد يضغط على مسار التفاوض. هي لا تملك حق الفيتو، لكنها قادرة على جعل أي اتفاق مكلفًا سياسيًا.
وفي المقابل، تبقى الجبهة اللبنانية—رغم صمتها النسبي—الساحة الأكثر قابلية للاشتعال. أي دخول لحزب الله على خط مواجهة أميركية–إيرانية قد يُقابل برد واسع، لا بهدف “تسجيل نقاط”، بل لمنع تحوّل لبنان إلى منصة ضغط فعّالة. وهنا يظهر غير المُعلن: حزب الله جزء من معادلة ردع إقليمية، ولبنان—بمجرد قابليته للاشتعال—يمنح إيران ورقة ضغط، ويمنح إسرائيل مبررًا لإبقاء خيار القوة حاضرًا، ويضع واشنطن أمام سؤال جوهري: ما قيمة هدنة نووية إذا كان حادث حدودي واحد قادرًا على تفجيرها؟ أما الداخل اللبناني، المنهك سياسيًا واقتصاديًا، فيحاول كبح الانزلاق، لكنه يواجه حدود المناورة في ظل الجدل المتجدد حول السلاح وقواعد الاشتباك. وهكذا يصبح امتحان أي هدنة نووية في بيروت والجنوب، لا في فيينا وحدها.
وتملك طهران هامش ضغط إضافيًا عبر ساحات العراق وسوريا واليمن. في العراق وسوريا، يكمن الخطر في الاحتكاك مع الوجود الأميركي وخلق مناخ استنزاف يضغط على واشنطن. أما في اليمن، فالتصعيد ينعكس مباشرة على التجارة العالمية وأسعار الطاقة. هذه الساحات ليست أدوات تفجير بالضرورة، لكنها قد تتحول إلى شرارة إذا وقع سوء تقدير.
وفي الجهة الأخرى، تتحرك دول الخليج كقوة موازنة تحاول منع الانزلاق إلى مواجهة. السعودية والإمارات وقطر وعُمان تدرك أن أي حرب ستجعلها ساحة الرد الأول، وأن اقتصاداتها لا تحتمل حربًا طويلة. لذلك ترفض استخدام أراضيها لأي عمل عسكري ضد إيران، وتكثّف الاتصالات الدبلوماسية لخفض التوتر. هذه المواقف لا تمنع الحرب نظريًا، لكنها ترفع كلفتها وتمنح المسار الدبلوماسي غطاءً إقليميًا يصعب تجاهله.
أما الولايات المتحدة فليست لاعبًا واحدًا، بل شبكة مؤسسات ذات مصالح متباينة. هناك من يفضّل تجنّب الحرب، ومن يرى أن اتفاقًا محدودًا أفضل من لا شيء، ومن يرفع سقف الشروط تحت تأثير السياسة الداخلية والضغط الإسرائيلي. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تصبح السياسة الخارجية مادة داخلية حساسة. ترامب يجد نفسه أمام مقايضة دقيقة: بين خطاب الحسم الذي يرضي الصقور، وتجنّب حرب قد ترفع أسعار النفط وتربك سردية “أميركا أولًا”.
ويقدّم الاقتصاد إشاراته الخاصة. أسعار النفط لا تتنبأ بالاتفاق أو الحرب، لكنها تسعّر المخاطر. تذبذبها يعكس إدراك الأسواق أن فشل التفاوض يعيد سيناريو اضطراب الإمدادات إلى الواجهة، ما يدفع نحو حلول انتقالية تقلل المخاطر الفورية.
في المحصلة، لا يقف الشرق الأوسط على أعتاب سلام، ولا على حافة حرب شاملة، بل في مساحة وسطى أكثر خطورة: مساحة الهدنة القابلة للكسر. السيناريو الأقرب هو اتفاق محدود يجمّد الأنشطة الأكثر حساسية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، مع ترك الملفات الأشد تعقيدًا لمسار لاحق. لكن هشاشة هذا السيناريو تجعله قابلًا للانهيار عند أول تعثر في التحقق، أو أول ارتفاع في السقف الإسرائيلي، أو أول حادث ميداني يفرض منطق الردع على منطق التفاوض. فالمشهد ليس مؤامرة، بل ميزان قلق: إسرائيل ترفع كلفة التنازل، والخليج يرفع كلفة الحرب، والصين ترفع كلفة الإقصاء، والوكالة الدولية ترفع كلفة الغموض، فيما تبقى ساحات مثل لبنان والعراق واليمن قادرة على إسقاط أي هدنة بخطأ واحد. وبين هذه الأكلاف المتقاطعة، لا تحاول واشنطن وطهران صنع سلام نهائي، بل شراء وقتٍ أقلّ كلفة من الانفجار. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الهدنة ستُوقَّع، بل ما إذا كانت ستصمد عندما تخرج من الورق إلى الميدان.
*محلل استراتيجي













02/27/2026 - 12:32 PM





Comments