بين نتنياهو وخامنئي: نصوص مقدّسة وعقائد دينية… من رسائل سلام إلى ذرائع حرب

02/27/2026 - 01:46 AM

Arab American Target

 

الخوري فادي سميا *

"بين خطاب سياسي يتدثر بالنصوص المقدسة، وصرخة كنسية تدعو إلى عدل السلام، تتحول الأرض المقدسة من وعد إلهي إلى ساحة اختبار لضمير العالم."

في الشرق الأوسط، الأرض ليست ترابًا وحدودًا فقط، بل ذاكرة الأنبياء وأصداء النصوص المقدّسة. هنا، يمكن لآية من العهد القديم أن تلهب الحدود، ولتصريح سياسي أن يوقظ أشباح الحروب. وفي قلب هذا المشهد، يطلّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متمسكًا برؤية "إسرائيل الكبرى" وواصفًا نفسه بأنه في "مهمة تاريخية وروحية"، فيما يرفع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي راية "تحرير فلسطين" باعتبارها واجبًا شرعيًا لا مساومة عليه. خصمان في الظاهر، لكنهما—كما يقرأ التاريخ—يحركان عجلة صراع يخدم بقاء كل منهما، بينما يدفع الأبرياء ثمن الدم والدمار.

الجذور اللاهوتية والتاريخية للمشروعين

إسرائيليًا: منذ أواخر القرن التاسع عشر، أعادت الحركة الصهيونية قراءة نصوص مثل تكوين 15:18 ويشوع 1:4، فحوّلت الوعد الإلهي لإبراهيم إلى برنامج قومي، وصبغته بالصبغة السياسية. بعد حرب 1967، وجد التيار اليميني–الديني في "إسرائيل الكبرى" أساسًا أيديولوجيًا للتوسع، يرى أن الأرض ليست قضية تفاوض، بل حقًّا أزليًّا منحته السماء.

إيرانيًا: منذ الثورة الإسلامية عام 1979، أصبحت فلسطين ركيزة في الخطاب الثوري الإيراني. الفقه الشيعي الثوري، جعل "تحرير فلسطين" قضية عقائدية، لا مجال للتنازل عنها، مقدّمةً بوصفها امتحانًا لصدق الإيمان ووحدة الأمة.

رغم العداء المعلن، يخدم كل مشروع الآخر بطريقة غير مباشرة.

وجود إيران بخطابها الثوري يمنح إسرائيل ذريعة لتعزيز القبضة الأمنية وتبرير سياستها أمام الداخل والخارج.

وجود إسرائيل كمحتل يمدّ إيران بأداة تعبئة جماهيرية دائمة، تُبقي على حرارة الثورة وتغطي على التحديات الداخلية.


هكذا، تتحول النصوص الدينية إلى وقود سياسي، يضمن استمرار المعركة ويديم الحاجة إلى زعيم "حارس الوعد" في الجانبين.

في مقابلة مع i24NEWS، أعاد نتنياهو التأكيد على تمسكه برؤية "إسرائيل الكبرى"، معتبرًا نفسه جزءًا من تحقيق حلم الأجيال، ومُلمّحًا إلى أن حدود هذا الحلم تتجاوز الواقع السياسي الحالي لتلامس خرائط العهد القديم. هذه اللغة تُحوّل الصراع من نزاع حدود إلى حرب مقدّسة، حيث يصبح التنازل ليس خسارة سياسية فقط، بل خيانة لما يعتبره "مشيئة إلهية".

الكنيسة الكاثوليكية، التي تعرف حساسية الأرض المقدسة لكل من اليهود والمسيحيين والمسلمين، تضع أمام العالم رؤية مختلفة تمامًا.

لاهوتيًا: الوعد الإلهي، كما تراه الكنيسة في ضوء العهد الجديد، لم يعد جغرافيا تُحتل، بل رمزًا لملكوت الله حيث يسكن العدل والسلام. القديس أوغسطينوس رأى أن الأرض الموعودة هي صورة للحياة الأبدية، وليست مشروعًا قوميًا يقصي الآخرين.

أخلاقيًا: البابا فرنسيس، في مواقفه يقول أن "الله وعد الأرض لشعب إسرائيل"، و لكنه أضاف ضمناً أن هذا الوعد لا يبرر سلب حقوق الآخرين، وأن السلام لا يقوم إلا على العدل. وفي رسالته للمجروحين من الحرب في الأرض المقدسة قال: "أنا قُريب منكم، أنا معكم… أنتم الذين لا صوت لكم"—كلمات تحوّل الموقف من مجرد سياسة خارجية إلى مشاركة وجدانية في الألم.

سياسيًا: الفاتيكان يدعو إلى حل الدولتين كخيار عادل، ويرفض أي توظيف للنصوص لتبرير الاحتلال أو العنف. منذ 1948، اقترح الكرسي الرسولي وضع القدس تحت نظام دولي مفتوح، باعتبارها مدينة الجميع لا ملكًا حصريًا لأحد.

حين ننظر إلى الأرض من السماء، لا نرى حدودًا ولا أسلاكًا شائكة، بل بيوتًا وحقولًا وأطفالًا يضحكون. الله، الذي خلق الإنسان على صورته، لم يمنح الأرض لشعبٍ ضد شعب، ولا لوطنٍ ضد وطن، بل أودعها في أيدينا كوديعة مقدّسة لنعتني بها معًا.

الحرب تسرق من الأرض قدسيتها، لكنها لا تستطيع أن تسرق من القلب قدرة الحب والمصالحة. اليوم، ونحن نرى القادة يتصارعون على الحجارة والتراب، لنتذكر أن أثمن أرض هي قلب الإنسان، وأن احتلال هذا القلب بالرحمة والحق هو النصر الحقيقي.

فلنصلِّ أن تتحوّل الوعود التي يتقاتل عليها العالم إلى وعود سلام، وأن يبقى فينا الإيمان بأن الله لم يرسلنا لنمتلك الأرض، بل لنقدّسها بالعدل والمحبة.

حين تُستخدم النصوص المقدسة كحدود على الخرائط، تتحول الرسالة السماوية إلى جبهة حرب. مشروع نتنياهو ومشروع خامنئي، رغم تعارضهما، يلتقيان في نقطة خطيرة: تحويل إرادة الله إلى سلاح حربي و سياسي. الكنيسة الكاثوليكية تذكّر العالم بأن الأرض التي أعطاها الله للإنسان، لم تكن لتكون موطئ أقدام الجنود وحدهم، بل لتكون بيتًا للسلام.

الاختيار أمامنا جميعًا واضح، أن نبقى نبني الجدران، أو أن نمدّ الجسور، فنحوّل الوعد من صراع يستهلك الأجيال، إلى لقاء يحرّر الإنسان من خوفه، ويفتح أمامه أبواب الأرض والسماء معًا.

 

* كاهن ماروني لبناني، يُعرَف بنشاطه الرعوي والروحي وكتاباته ذات الطابع اللاهوتي والإنساني. يحمل إجازة في اللاهوت، ويُعرف بحضوره القريب من الناس وبأسلوبه الهادئ والعميق في التعليم والكتابة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment