رامز الحمصي
صرح وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، أنه صبر بلاده قد نفذ، وقال: “سنخوض الآن حربا مفتوحة، باكستان قامت بجهود دبلوماسية مكثفة لكن طالبان أصبحت وكيلا للهند، وباكستان تعلن عن بدء عملية عسكرية ردًا على الهجوم الأخير الذي شنته القوات الأفغانية”.
بدوره الجيش الباكستاني أكد مقتل 44 عنصرا من القوات الأفغانية، ونفى مقتل أو أسر جنود خلال اشتباكات مع أفغانستان. في المقابل نشرت وزارة الدفاع الأفغانية، مشاهد مصورة لما قالت عنه أن رئيس أركان الجيش الأفغاني القاري فصيح الدين فطرت يقود العمليات الهجومية من غرفة العمليات ضد مواقع الباكستانية.
يأتي هذا بعد أن أعلنت حكومة أفغانستان، الخميس، أنّ قواتها شنّت «هجمات مكثّفة» على نقاط حدودية باكستانية، وسيطرت على عددٍ منها، وقتلت وأسرت جنوداً من باكستان، وذلك رداً على غارات جوّية قالت إنّ إسلام آباد نفّذتها على الأراضي الأفغانية قبل أيام وأسفرت عن سقوط ضحايا. وفي المقابل، أعلنت باكستان أنّها اتّخذت إجراءات «فورية» للتعامل مع ما وصفته بالهجمات الأفغانية «غير المبرَّرة».
وقال المتحدث باسم حكومة أفغانستان ذبيح الله مجاهد، الخميس، عبر منصّة «إكس»: «ردّاً على الانتهاكات المتكرّرة للجيش الباكستاني، تمّ شنّ عمليات هجومية واسعة النطاق ضد قواعد ومنشآت عسكرية باكستانية». وأضاف لاحقاً: «قُتِل عدد من الجنود، وتمّ القبض على عددٍ منهم أحياء».
وفي كلمة مصوّرة، قال المتحدث باسم الجيش في شرق أفغانستان وحيد الله محمدي إنّه «ردّاً على الغارات الجوية التي شنّتها باكستان على ننكرهار وباكتيا… بدأت قوات الحدود… هجمات مكثّفة على مواقع باكستانية»، مؤكداً أنّه «حتى الآن، لم تقع أي إصابات في الجانب الأفغاني».
من جهته، قال نائب المتحدث باسم الحكومة الأفغانية حمد الله فطرت إنّه «تمّت السيطرة على 15 موقعاً متقدّماً».
وفي المقابل، أعلنت باكستان أنّها تتّخذ إجراءات «فورية» للتعامل مع الهجوم «غير المبرّر» من كابول. ويأتي هذا التوتّر بعد غارات باكستانية على ولايتي ننكرهار وباكتيا ليل الأحد، قالت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان إنّها أسفرت عن مقتل 13 مدنياً على الأقل.
وقالت حكومة أفغانستان إنّ 18 شخصاً على الأقل قُتلوا، نافيةً إعلان باكستان بأنّ ضرباتها أودت بأكثر من 80 مسلّحاً. كما أفاد الجانبان بوقوع إطلاق نار عبر الحدود الثلاثاء، لكن من دون إصابات.

كيف بدأت الحرب؟
تصاعدت التوتّرات بين أفغانستان وباكستان منذ استعادة طالبان السيطرة على كابول في عام 2021، وتدهورت العلاقات بين البلدين بشكل حادّ مع وقوع اشتباكات حدودية دامية في الأشهر الأخيرة.
وفي سياق متّصل، أُغلِق معظم المعابر الحدودية البرّية منذ المعارك التي اندلعت في تشرين الأول، وأسفرت عن أكثر من 70 قتيلاً من الجانبين، وفق ما ورد في المعطيات المتداولة، قبل أن تُعقَد جولات مفاوضات عقب وقفٍ أول لإطلاق النار توسّطت فيه قطر وتركيا، غير أنّ الجهود الدبلوماسية فشلت في التوصّل إلى اتفاقٍ دائم.
وذكرت المعطيات أنّ المملكة العربية السعودية تدخّلت هذا الشهر، وتوسّطت في إطلاق سراح ثلاثة جنود باكستانيين قالت إنّ أفغانستان أسرتهم في تشرين الأول. وتتّهم إسلام آباد كابول بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات ضد جماعات مسلّحة تنفّذ هجمات داخل باكستان انطلاقاً من أفغانستان، وهو ما تنفيه حكومة أفغانستان.
وفي تطوّرات الأسبوع الحالي، عاد ملفّ التصعيد إلى الواجهة بعدما بدأ بغارات باكستانية مكثّفة، وأعقبته عمليات أفغانية موسّعة عبر الحدود. ووفق ما ورد، كانت «أبرز محطّات الاشتعال» يوم الأحد الماضي، الذي شهد غارات باكستانية وصل عددها إلى أربعين غارة، فيما تحدّثت تقارير عن «عشرات» الضحايا بين قتيل ومصاب في الجانب الأفغاني.
وقالت باكستان إنّ غارات الأحد جاءت ردّاً على «الهجمات الانتحارية الأخيرة» التي تعرّضت لها، بما فيها هجوم على مسجد في إسلام آباد مطلع شباط/فبراير الجاري. وذكر بيان صادر عن وزارة الإعلام الباكستانية أنّ باكستان «شنّت عمليات استهداف انتقائية قائمة على معلومات استخبارية لـ7 معسكرات ومخابئ إرهابية تابعة لحركة طالبان الباكستانية».
وفي المقابل، قال ذبيح الله مجاهد إنّ باكستان «قصفت مواطنينا المدنيين في ولايتي ننغرهار وباكتيكا، مما أسفر عن استشهاد وإصابة عشرات الأشخاص، من بينهم نساء وأطفال». وأضاف، في ردّه على مبرّرات الضربات: «يحاول الجنرالات الباكستانيون التعويض عن نقاط الضعف الأمنية في بلادهم بهذه الجرائم».
وعقب غارات الأحد، استمرّ التوتّر، إذ شهد الثلاثاء تبادلاً لإطلاق النار على الحدود. كما أعلنت باكستان، الأربعاء، أنّها عزّزت إجراءات الأمن واعتقلت عشرات المشتبه بهم، مشيرةً إلى مقتل أربعة من عناصر شرطتها في كمين قرب الحدود مع أفغانستان، وحمّلت المسؤولية لحركة طالبان الباكستانية.
وفي «جولة اليوم» الخميس، أفادت معطيات بأنّ الجيش الأفغاني شنّ هجوماً واسع النطاق على مواقع باكستانية في ثلاث ولايات حدودية، وقال إنّه يأتي ردّاً على غارات باكستان، التي ذكرت بدورها أنّها بصدد إطلاق عملية عسكرية «متكاملة» رداً على ما وصفته بـ«معسكرات الإرهاب» داخل أفغانستان.
ونقلت قناة «الجزيرة» عن مصدر عسكري أفغاني قوله إنّ الهجمات أسفرت عن مقتل 10 جنود باكستانيين، والسيطرة على 13 نقطة عسكرية على طول الحدود مع باكستان، مضيفاً أنّها جاءت ضمن ما وصفته الحكومة الأفغانية بـ«عمليات انتقامية هجومية» على طول الحدود في عدة نقاط تمتدّ عبر ولايات أفغانية حدودية.
في المقابل، قالت إسلام آباد إنّ قوات الأمن الباكستانية ردّت على ما وصفته بـ«إطلاق نار غير مبرّر» من حركة طالبان الأفغانية في عدة نقاط على طول الحدود الباكستانية-الأفغانية، الخميس. وذكرت وزارة الإعلام أنّ قوات طالبان فتحت النار عبر عدة قطاعات في إقليم خيبر بختونخوا، وأنّ القوات الباكستانية ردّت «بشكل فوري وفعّال»، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من القوات وتدمير عدة مواقع ومعدات، وفق ما جاء في البيان.
خط دورند
في عام 2022 بدأت باكستان بناء سياج حدودي لمنع تسلّل المسلّحين، وهو ما اعترضت عليه كابل، الأمر الذي أسهم في ارتفاع حدّة المواجهات بين الجانبين. كما اتّهمت إسلام آباد في السابق مجموعات انفصالية مسلّحة في إقليم بلوشستان (جنوب)، وحركة طالبان الباكستانية، وغيرها من الجماعات الإسلامية في إقليم خيبر بختونخوا (شمال) باستخدام الأراضي الأفغانية منطلقاً لشنّ هجمات، فيما نفت حكومة أفغانستان مراراً هذه الاتهامات.
وبعد اشتباكات تشرين الأول، شهد الشهر التالي إغلاق الحدود بين البلدين، ما أدّى إلى خسائر بعشرات الملايين من الدولارات وتكدّس آلاف الشاحنات على الحدود، ومنع عبور عشرات الآلاف من السكان من جانب إلى آخر، وفق ما ورد. وفي كانون الأول 2025، اندلعت اشتباكات عنيفة جديدة قرب معبر سبين بولدك-تشامان الحدودي، وُصفت بأنّها من أسوأ المواجهات منذ بدء محاولات التهدئة قبل نحو شهرين.
وفي شباط الجاري، أفاد تقرير لبعثة الأمم المتحدة في أفغانستان (يوناما) بأنّه «خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي قُتل 70 مدنياً وأُصيب نحو 480 في أفغانستان جراء أعمال نُسبت إلى القوات الباكستانية»، بحسب نصّ التقرير كما أوردته المعطيات.
يعتبر «خط دورند» خط الحدود الفاصل بين البلدين، ووفقا لما نقلته «موسوعة الجزيرة»، فإنّه في 12 تشرين الثاني 1893 وقّع أمير أفغانستان عبد الرحمن خان والوزير البريطاني هنري مورتيمر دورند اتفاقاً يوضّح الحدود بين الهند التي كانت جزءاً من الإمبراطورية البريطانية وأفغانستان، وأنّ أفغانستان كانت وقتذاك منطقة عازلة بين النفوذ البريطاني والنفوذ الروسي في آسيا الوسطى. وذكرت أنّ باكستان التي استقلّت عن الهند عام 1947 وأفغانستان لم توقّعا اتفاقاً يرسم الحدود بشكل نهائي.
العلاقات بين البلدين توتّرت منذ تأسيس باكستان عام 1947، حيث أنّ الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي اتّهم باكستان باستمرار دعم حركة طالبان لزعزعة الاستقرار في أفغانستان في محاولة للتصدّي لنفوذ الهند هناك، فيما كانت إسلام آباد تنفي ذلك. وذكرت أنّ الحكومات الأفغانية المتعاقبة لم تعترف بالاتفاق الذي كانت مدّته 100 سنة، وهو ما أشار إليه تصريح بتاريخ الرابع من أيار 2013، قال فيه إنّ بلاده لم تقبل تلك الاتفاقية.
وفي المقابل، أوردت أنّ باكستان والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو) يعترفون بخط دورند بوصفه حدوداً دولية بين باكستان وأفغانستان، كما نُقل عن أندرس فوغ راسموسن، الأمين العام السابق للناتو، في تشرين الأول/أكتوبر 2012.
ونقلاً عن موقع «ميدان»، ذكر أنّ اتفاقية إنشاء الخط تضمّنت اقتطاع أجزاء كبيرة من أراضي أفغانستان في مناطق تقطنها قبائل من عرقية البشتون في الجنوب والجنوب الغربي، وضمّها إلى مستعمرات بريطانيا في الهند، وهي تقع اليوم في إقليمي خيبر بختونخوا وبلوشستان الباكستانيين. كما أشار إلى أنّ أفغانستان كانت الدولة الوحيدة التي عارضت عضوية باكستان في الأمم المتحدة عام 1947.
وفي ما وُصف بالأهمية الجيوسياسية لخط دورند، نقلاً عن الباحث في الشؤون الآسيوية محمد مكرم بلعاوي، فإن «العمق الاستراتيجي» بسبب الطبيعة الجبلية التي تجعل ضبط الحدود مكلفاً عسكرياً، و«الهوية القبلية» لأنّ الخط يقسم مناطق البشتون بين دولتين بما يخلق امتدادات اجتماعية عبر الحدود، ووجود «معابر حيوية» مثل ممر خيبر ومعبر تورخم وسبين بولدك، إضافة إلى «المخاطر الأمنية» المرتبطة بالجغرافيا المعقّدة التي سهّلت تاريخياً نشاط جماعات مسلّحة وتنقّلها.
وفي قراءة للتطوّرات، فإنّ برنامج «ما وراء الخبر» تناول الأزمة، إذ حذّر المحلّل الأفغاني محبّ الله شريف من أنّ الغارات الأخيرة قد تقوّض مساعي بناء الثقة، محذّراً من أنّ استمرار النهج العسكري قد يفضي إلى «هجوم شامل» لا يخدم أيّاً من الطرفين. وفي المقابل، حذّر الصحافي الباكستاني أبو بكر صديق من توسيع دائرة الخلاف عبر استدعاء أطراف إقليمية منافسة، مؤكداً أنّ حلّ الأزمة يكمن في استعادة قنوات الوساطة التي رعتها أطراف إقليمية مثل قطر وتركيا والسعودية، وتعزيز تبادل المعلومات والتعاون الاستخباري.
كما ذكر الصحفي المختصّ في الشؤون الآسيوية وائل عوّاد أنّ التصعيد يأتي في سياق «بيئة أمنية هشّة» أعقبت عودة طالبان وغياب تعاون أمني فعّال بين البلدين، معتبراً أنّ انعدام الثقة هو المحرّك الرئيسي للمواجهة الحالية، ومشيراً إلى أنّ إغلاق الحدود بسياج لا ينسجم، من وجهة نظر كابول، مع اتهامها بتسهيل تسلّل الجماعات، ما يعكس عمق أزمة الثقة. وحذّر عوّاد من أنّ التوتّر لا يمكن فصله عن التنافس الدولي والإقليمي، بما في ذلك الصراع بين الولايات المتحدة والصين وتأثيره على الممرّ الاقتصادي الصيني-الباكستاني، فضلاً عن حسابات الهند، مؤكداً أنّ التصعيد ليس في مصلحة الطرفين وأنّ الحل يمرّ عبر إجراءات لبناء الثقة وإرادة سياسية صريحة مدعومة بوساطات إقليمية ودور ديني ومجتمعي لاحتواء الأزمة قبل الانزلاق إلى مواجهة أوسع.













02/26/2026 - 23:52 PM





Comments