عادل صوما
في الاجواء التي تعيشها مصر اليوم نتيجة لتراكمات رؤساء انقلاب 1952 الإخواني، ومن جاء بعدهم وسار على دربهم، يستحيل أن يصل للحكم رجل بُنصف أقباطها، ويجرؤ على عمل ما هو أهم بكثير من تخدير مشاعرهم بحضور قداس عيد الميلاد المجيد مع "أبونا" تواضروس.
هذه التراكمات جعلت البلد يصاب بمرض التوحّد الجمعي، ويصل إلى الفضاء الغيبي الهستيري الذي استفحل حتى وصل إلى أداء صلاة الجمعة في معرض الكتاب، كدليل على ترسّخ الايمان لكنه شعائري كاذب، فالشوارع تتزايد فيها التحرشات بالنساء، والمحسوبية أصبحت سمة أداء حكومي.
تربة عقيمة
التربة الاجتماعية الثقافية الحالية لا تسمح بوجود مثل هذا الرجل سوى بندرة قليلة بين ناشطين لا يتربحون من أجواء مصر الحالية، ولا حول اجتماعياً لهم ولا قوة سياسية، وهم بكل قنواتهم على محطة "يوتيوب" وغيرها لا يستطيعون الضغط لتغيير سطر ديني في دستور دولة المواطنة، أو دولة التلاوة كما يقولون، أو اقناع أولي الأمر بإلغاء ضجيج أصوات ميكروفونات المساجد، في عصر أصبح كل مسلم فيه يملك هاتفه المحمول، ويعرف بشكل دقيق جداً مواقيت الصلاة التي أصبحت خمسة، بعدما اقتنع الله بمعقولية اقتراح موسى لمحمد أثناء معراجه، وألغى خمس وأربعين صلاة مما قرره يومياً.
عُشر مليون
مشكلة الاقباط هي المخزون الجيني المتوارث الذي قتل الجرأة في الاجيال، نتيجة1387 سنة (العرب غزوا مصر سنة 639) قهر وتهميش ومعاملتهم كأنهم ليسوا أبناء مصر، رغم أن الغزاة كانوا كذلك، لكن استعمار الأجلاف الاستيطاني أصبح صاحب الكلمة العُليا، وحظر استخدام اللغة القبطية، وتعامل بقسوة مفرطة مع أي ثورة تطالب بالعدل، إضافة إلى طمس ثقافة مصر عن سابق تصور وتصميم.
هل يستطيع الاقباط التجمع في مجرد وقفة احتجاجية عُشر مليونيه أمام قصر الوالي من أجل وقف ازدراء المسيحية من أصحاب عمائم فرضوا محاكمة مَنْ يزدري الأديان لحماية سلطانهم الدنيوي؟
هل يستطيع الأقباط القيام بوقفة احتجاجية أمام قصر الوالي ليقول كلمة حاسمة لوقف تكرار جرائم خطف البنات القبطيات؟
هل... وهل... وهل؟ ما حدث بالأمس القريب في ماسبيرو لم يزل في الذاكرة!
كما أن الأقباط ليس لديهم "إخوان مسيحيون" ودول بترولية ودولة لديها الغاز بوفرة، ليمولوا تظاهرات التنمّر على الناس في ميادين أوروبا واستراليا، ويعلقون الدروس في جامعات العالم، ويحرقون أشجار الكريسماس، ويدهسون المتسوقين في أسواقه، لينتبه العالم إلى قضيتهم العادلة، كما أن اتصالات ناشطيهم لا تستطيع الوصول حتى إلى تعكير أجواء مهرجانات السينما العالمية، مثلما حدث في مهرجان برلين 2026 حيث قُدمت رسالة جاء فيها "الموقعون يدعون مهرجان برلين السينمائي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والتعبير بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين."
آه.. هي يعني
نحن أمام تنمّر داخلي متكرر مُحصن من أعلى المستويات، مُغلّف بتجاهل خارجي يتمثل في انكار سلوكيات التنمّر أو التقليل من شأنها إذا لم يفلح الانكار، فيُقال إنها حوادث فردية قام بها مختلون عقلياً، أو أنها لا تمت للإسلام بصلةٍ.
أحد الناشطين تحدث عن خطف وأسلمة القبطيات علانية في أحد منتديات الأمم المتحدة، فما كان من عبد الفتاح السيسي سوى القول رداً على ما قيل على منبر دولي بأدلة وأسماء: "آه.. هي يعني.. أصل الموضوع.. يعني لو في شيء موجود مش لازم نتكلم عنه كده".
الرئيس يعتبر أن الإشارة إلى أسوأ السلوكيات غير الإنسانية وهي الخطف في القرن الواحد والعشرين، ينتقص من سيادة مصر خارجياً، ولا يجوز من أبنائها المغتربين، وضمناً الإشارة إليها داخليا تقوي شوكة أعداء الوطن لأنهم سيستغلون نقاط الضعف في المزايدة على الوالي.
سيادة الدول
سيادة الدولة مجرد مضاف ومضاف إليه لا قيمة لهما، إذا كان مواطنو الدولة ليسوا سادة في بلدهم! كل مواطنيها وليس بعضهم.
حورمحب الثاني
الأمم المتحدة والناشطون الأقباط والمنتديات الدولية لن يستطيعوا تغيير أو تحسين وضع مسيحيي مصر. سنوات طويلة تنتظر أقباطها حتى يظهر فرعون بحجم حورمحب، وظهوره ليس لمحاربة الارتزاق من استغلال الدين لحكم الناس كحورمحب الأول، بل لأن العلم سيكون قد عرى الماورائيات من جميع أوراق التين، والتطور العلمي بالتدخل في الإنسان نفسه ودماغه وجسده وصناعة انسان بمواصفات جينية خاصة، قد وضع عقول الناس أمام خيارين، الأول هو عبور هوة الجهل طواعية وحصر الطقوسيات وأساطيرها داخل أماكنها، والثاني علاج المكابرة بالكيميو الاجتماعية Social Chemotherapy إن جاز التعبير لتستمر الحياة بالشكل الذي يتوافق مع العلم والواقع.
حورمحب الثاني سيكون ظهوره حتمياً في تقاطع نقطة اللاعودة هذه، وإن لم يظهر قد تستمر مصر نفسها على الخريطة، لكن بدون فاعلية أفريقياً وعربياً ودولياً، أو تستمر بشكل آخر لا يتمناه مُحب لمصر.













02/26/2026 - 10:50 AM





Comments