عبد حامد
هناك جبال لا تُزَعزَع، ورموز للطيب والرحمة والإنسانية لا تُطال، وشخصيات لا تُهزم. تُكسَر الجبال الشامخات ولا تُخدش، ولا تتأثر ولا تهتز قيد أنملة أمام الأموال والمناصب والجاه والشهرة. لا ينظر إليهما إلا بنظرة ازدراء واستعلاء وترفّع، ذاته أكبر من كل كبير، إلا الله جلّ في علاه.
أكثر شيء يفرحه حين يشاهد علامات الشفاء والابتسامة والارتياح تسطع على وجوه مراجعيه من المرضى وذويهم. إنه فعلاً قاتل الداء القاتل بلطفه وجمال ابتسامته وأسلوبه الرفيع، إنه الدكتور ماجد الضاري، طبيب النفوس العليلة والشخصيات المعطوبة، قبل أن يكون طبيب الغدد اللمفاوية وأمراض الدم وداء السرطان الذي نجح في قتله، وحوّله إلى داء لا يخيف ولا يرعب كما كان. يخفف من شدة وقع تأثيره على المصاب به وعلى عائلته، لذلك ما من مصاب به وعائلته إلا ويحملون من الحب والشكر والتقدير إليه ما لا يوصف.
والكل يعلم كم هذا الداء متفشٍّ في لبنان والعراق خصوصاً للأسباب المعروفة، وفي كل دولنا العربية وبقية أنحاء العالم. لذلك علينا أن ندرك مدى حجم الحب والتقدير من عوائل ومحبي المرضى ممن عالجهم الدكتور ماجد من هذا الداء البغيض.
ولكوني أكتب في مختلف الصحف العربية، في المغرب العربي والخليج ومصر وسوريا ولبنان وفلسطين والسودان، ومنها صحف دولية، كثر كتبوا لي وصف معاناتهم من هذا المرض البغيض. وحين كتبت عنه، كثر أيضاً عبّروا عن شكرهم لي كوني كتبت عن ذلك، لكون أطباء عدة استغلوهم أبشع استغلال للربح المادي، وبعضهم شكوا لي أن بعض الأطباء أخبروهم أنهم مصابون به، والحقيقة نقيض ذلك، مما أدى إلى استنزاف أموالهم. وبعضهم باعوا كل ممتلكاتهم وحتى بيوتهم، مما أوقعهم بمعاناة رهيبة لهم ولعوائلهم. هل هناك أفظع من هذا الفعل الفظيع لأطباء من هذا النوع؟
كثر حين أرشدتهم لمراجعة د. ماجد أجد أنهم يعرفونه ويثنون عليه كثيراً كثيراً، في مختلف بلادنا العربية، والحمد لله. هذا محل فخر وتقدير لكل عربي. ومن الجميل أن شخصيات مرموقة كثر في شتى مجالات الحياة وصلت سجاياه الجميلة لهم وهم من بين أصدقائه، لم يكن منشأ علاقة الصداقة هذه لطبيعة عمله ومراجعتهم له، بل لدماثة أخلاقه وثقافته الواسعة وجمال شخصيته.
هذه السمات النبيلة ليست جديدة عليه، بل منذ سنوات شبابه الأولى (وهنا أرجو أن لا يزعل عليّ كوني أظهره كبيراً في العمر)، بل أقصد حين كان في مراحل دراسته المتوسطة. كنت أشاهده يهرع إلى المشردين ومن أصيبوا بمختلف العاهات وهم في حال مزرٍ جداً، يسلّم عليهم ويصافحهم بكل مودة وحرارة، والابتسامة تعلو محيّاه، في وقت كان الجهلة – وهم الغالبية – يستكثرون مجرد السلام عليهم.
هذه هي سجايا الكرام الكبار حقاً، الأمر الذي يلزمني ويشرّفني الكتابة عنهم، وبكل فخر وتقدير واعتزاز عاليين. هم رجال تواضعوا في أخلاقهم فأكرمهم الله ووضعهم في القمم الشاهقة.
دكتور ماجد، كان يتوجب عليّ أن أسجل اسم كل من ذكرك بجميل وحملني سلامه لشخصك النبيل، لأبلغك، لكن هي ضغوط الحياة وثقل معاناتها على كل كريم نبيل، وأنت تعرف ذلك قبل غيرك.
لكن مما يخفف عليّ وطأة ذلك أنني رجوتهم أن يدعوا الله بحفظك ويسلمك من كل مكروه. لقد دفع الدكتور ماجد ثمن هذه المشاعر المرهفة ومشاركة الناس معاناتهم أن أصيب بمرض في قلبه الكبير الطيب الحنون. أجهد قلبه كثيراً كثيراً، وأتعبه أكثر بحمل هموم ومعاناة مرضى هذا الداء اللعين، في سبيل قتله وخلاص الناس والعوائل من تداعياته الوخيمة عليهم. وفوق ذلك، حمل هموم ومعاناة الوطن والمواطن معاً في فواجعهم المتلاحقة والمتعددة.
لقد صرّح بوش بزهوٍ معيب ومخجل له ولأركان حكومته أنه نجح في سحق هيبة وعزيمة الذات العراقية، لكن الواقع أفصح عن نقيض ذلك تماماً. هذه شخصية عراقية جبارة لا تُقهر، يحق لكل شعوب الأرض أن تفخر بها بإنسانيتها ولطفها ورقيها وجميل سجاياها.
يا بوش، من يحق له أن يفخر ويفخر به وبفعله؟ شعبه والعالم؟ من يفعل الخير للبشر لا الشر. ومثلك فعل الشر وفتح أبواب الجحيم والإرهاب على العالم.
العالم كله اليوم يدين بأشد عبارات الشجب والإدانة والازدراء غزوك الباطل الشنيع البشع، وجريمتك النكراء وخطيئتك الكبرى بغزو بلد عربي وانتهاك سيادته واستقلاله وكرامة مواطنيه. وأول من يدين ذلك خلفك الرئيس ترمب وشعبك وكل أحرار العالم.
ويبقى شعب دار السلام يفخر برجال همهم الأول وغايتهم الأغلى والأكبر والأكرم قتل وقهر ما يعكر صحتهم وسعادتهم وسلامتهم، كالدكتور ماجد… قاتل الداء القاتل.













02/26/2026 - 03:14 AM





Comments