رشيد ج. مينا
يُعرّف الطاغية تقليديًا بأنه الحاكم الذي يمارس السلطة المطلقة متجاوزًا القوانين والشرعية، ويعتمد في بقائه على القمع والعنف. لكن السؤال الأهم: من يصنع الطاغية؟
هل هي القوة العسكرية؟ المال؟ ضعف الآخرين وخنوعهم؟ الخوف؟ أم الحاجة إلى لقمة العيش؟
هذا سؤال يفرض علينا وقفة جدية وتحليلًا صريحًا.
لكي نصل إلى الحرية، لا يكفي إسقاط الطاغية ظاهريًا، بل لا بد من فهم الأسباب والظروف التي أنتجته كي نصفيها. فالتحرر الحقيقي يستدعي معالجة جذور المشكلة حتى لا يعود الطغاة من جديد.
يجب أن نوسع مفهوم الطغيان:
لم يعد الطاغية مجرد حاكم متسلّط، بل صار منهجًا وسلوكًا ينسحب على مجالات الحياة كلها. نراه في:
السياسي الفاسد ومن يدّعي النضال ثم يتحوّل إلى وصولي انتهازي؛
صاحب المصنع الذي يحرم العامل حقوقه وظروف عمله؛
التاجر المحتكر والغشاش؛
ربّة البيت التي تمارس السيطرة لتثبيت وجودها على حساب كرامة الآخرين؛
الأب المهمل الذي يترك أسرته في العوز والتشرّد؛
المعلّم والطبيب والمحامي والمهندس الذين يفرّطون بمهنتهم لأجل المال؛
الإنسان المتحوّل إلى تابع أعمى يرهن ضميره ونفسه لمصالح فئوية.
كل هذه "طغيانات صغيرة" تراكبت لتؤسس لظاهرة الطاغية الكبير الذي يعبث في الأرض فسادًا وبطشًا.
الوعي هو مدخل التحرر. تحرّر العقل من ميراث الطغيان الموروث هو البداية لتوليد فكر حر جديد، يرتكز على الإيمان القيمي والالتزام الإنساني، ويعيد للإنسان ثقته بنفسه ومكانته.
إسقاط الطاغية لا يبدأ فقط في ميدان المقاومة السياسية، بل يبدأ بإسقاط الطغيان كمنهج وسلوك في حياتنا اليومية:
في البيت، في مكان العمل، في المدرسة، في الإعلام، وفي مؤسساتنا. حين تصبح التشاركية والمسؤولية والمحاسبة نهجًا يوميًا، يتحوّل المجتمع إلى حصن ضد إعادة إنتاج الطغيان.
إسقاط الطاغية الحقيقي يبدأ من تحرير العقل والممارسة:
محاربة كل أشكال الطغيان الصغيرة، غرس ثقافة المواطنة والمحاسبة، وترسيخ الشورى والديمقراطية في كل مؤسساتنا. بذلك نصنع شعبًا حرًا، صادق الانتماء، قادرًا على أن يعبّر عن إرادته الحرة ويحمي كرامته وحقوقه.













02/24/2026 - 07:52 AM





Comments