كلمة أخيرة: ما أردت قوله… وما تعلّمته

02/22/2026 - 17:25 PM

A

 

 

 

 رشيد ج. مينا

* لم تكن هذه الكتابات التي انشرها ترفًا فكريًا، ولا تسجيل موقف عابر، ولا محاولة للحاق بحدث أو موجة. كانت حصيلة مسار طويل، بدأ بإيمان صادق بقضايا كبرى، ومرّ بتجربة نضال قاسية، وانتهى إلى قناعة لا لبس فيها:

أن الأفكار العادلة لا تحمي نفسها، وأن النوايا وحدها لا تبني أوطانًا، وأن الصمت أمام الانحراف خيانة لا تقلّ خطورة عن الخطأ نفسه.

ما كتبته لم يأتِ من موقع الادّعاء أو اليقين المطلق، بل من تجربة عشتها بمرارتها قبل وعيها. تجربة آمنت فيها بمشاريع كبرى، ثم شاهدت كيف تُختزل في شعارات، وكيف يُفرَّغ مضمونها، وكيف يُستثمر الدم والتعب والناس لصالح سلطات، أو تنظيمات، أو أجندات لا علاقة لها بما بشّرَت به يومًا. تعلّمت، متأخرًا ربما، أن الهزيمة لا تبدأ حين نخسر معركة، بل حين نُقنع أنفسنا أن ما يجري “ضرورة” أو “مرحلة” أو “قدَر”.

دفعتُ ثمن هذا الفهم.

ليس لأنني كنت دائمًا على حق، بل لأنني رفضت أن أكون شاهد زور. دفعت ثمن الخروج من الاصطفافات السهلة، ومن الطمأنينة الكاذبة التي يمنحها الانتماء الأعمى. عرفت العزلة، وسوء الفهم، والتخوين أحيانًا، والاتهام بالرمادية أحيانًا أخرى. لكنني خرجت من كل ذلك بقناعة واحدة:

أن الخسارة الحقيقية ليست في الموقع أو الدور، بل في التنازل عن المعنى.

في السياسة، لم أؤمن يومًا بدولة منقوصة السيادة، ولا بسلاح خارج إطارها، ولا بديمقراطية شكلية تعيد إنتاج السلطة نفسها بقوانين مفصّلة على قياسها. رأيت كيف تُستخدم الطائفية، لا كهوية، بل كسلوك استثماري، لإدامة الانقسام وتعطيل الدولة، وكيف يُطلب من الناس أن يختاروا بين الخوف والفوضى، كأن لا خيار ثالثًا اسمه القانون والعدالة والمواطنة.

في العروبة، لم أتعامل معها كأيديولوجيا مغلقة أو حنين إلى ماضٍ لم يعد، بل كهوية حضارية ومسؤولية أخلاقية. فلسطين بقيت بالنسبة إليّ جوهر هذا المعنى، لا لأنها قضية قومية فحسب، بل لأنها المقياس الذي يكشف زيف الشعارات وصدق المواقف. ومن هنا جاء رفضي لكل أشكال التطبيع المقنّع، ولكل مشاريع “السلام” التي تطلب منا أن ننسى، ونتكيّف، ونتخلّى عن ذاكرتنا وحقوقنا باسم الواقعية.

في الاقتصاد والمجتمع، رأيت كيف تحوّل العمل إلى عبء، والهجرة إلى حلم قسري، والفقر إلى أداة ضبط، والزبائنية إلى بديل عن الحقوق. ورأيت كيف يُستخدم الخوف، مرة باسم الطائفة، ومرة باسم الأمن، ومرة باسم الاستقرار، لإقناع الناس بأن لا بديل عن هذا الواقع، وأن أي اعتراض هو مغامرة غير محسوبة.

أما الخلاصة الأشد إيلامًا، فكانت إدراكي أن أخطر ما أُصيب به مجتمعنا ليس القمع وحده، بل تطبيع الانهيار: القبول بالخراب كأنه واقع نهائي، وانتظار الحلول من الخارج، أو التسليم بما يشبه “القتل الرحيم” للمجتمع والذاكرة والقيم، تحت عناوين التحديث والمرحلة الانتقالية والتكيّف مع موازين القوى.

لهذا لم أكتب لأزرع اليأس، بل لأحاصره. ولم أكتب لأدين الماضي، بل لأمنع تكراره. ولم أكتب لأقدّم وصفة جاهزة، بل لأدعو إلى وعي مختلف.

أكتب إلى الشباب خصوصًا، لا لأحمّلهم إرث الخيبات، بل لأقول لهم:

لا تعيدوا التجربة نفسها. لا تنخدعوا بالشعارات من دون مضمون، ولا بالمشاريع من دون أخلاق، ولا بالاصطفافات التي تطلب منكم تعليق عقولكم مقابل شعور زائف بالأمان. المستقبل لا يُصنع بالقطيعة مع الذاكرة، ولا بتقديسها، بل بفهمها.

إن ما أؤمن به اليوم، بعد هذا المسار كله، هو أن النهوض ممكن، لكنه مشروط:

بوعي لا يُستَخدم، وبشباب لا يُختصرون بأدوار، وبعمل منظّم لا انفعالي، وبمشروع وطني عربي حضاري يضع الإنسان في مركزه، والدولة في موقعها، والحرية في معناها الحقيقي.

كتاباتي ليست نهاية طريق، ولا ادّعاء امتلاك الحقيقة. هو شهادة، ومراجعة، ورسالة تقول ببساطة: الاستسلام خيار، لكن الوعي خيار أيضًا.

إن وجد القارئ في هذه الكتابات ما يشبهه، أو ما يزعجه، أو ما يدفعه إلى السؤال، فقد أدّت غايتها. أما الطريق، فهو أطول من كتابة في صفحات… لكنه لا يُسلك إلا بمن قرّروا ألّا ينسوا، وألّا يخونوا المعنى.

ومع ذلك، ورغم كل ما سبق، ما زلت أؤمن — عن معرفة لا عن وهم — بأن النهوض ممكن، وبأن الفعل ليس ترفًا بل ضرورة. أؤمن بأن ما دُفع من أثمان باهظة عبر أجيال متعاقبة، نتيجة الأخطاء، والوصولية، والجهل، والتبعية، لا يجوز أن يتحوّل إلى لعنة أبدية، بل إلى دروس قاسية تُراكم وعيًا وتمنح فرصة جديدة للتصحيح.

إن التاريخ لا يصنعه الذين أخطأوا وحدهم، بل الذين تعلّموا من الأخطاء وامتلكوا شجاعة الفعل المختلف. وما دام في هذا المجتمع من يرفض الاستسلام، ويصرّ على الإيمان بالإنسان، وبالدولة العادلة، وبالحرية المسؤولة، وبالمشروع الوطني العربي الحضاري، فإن الطريق — مهما طال — يبقى مفتوحًا.

هذه الكتابات ليست بكاءً على ما كان، ولا تبريرًا لما جرى، بل شهادة إيمان بأن القدرة على النهوض كامنة، وأن الفعل ممكن، وأن الأهداف التي من أجلها دفع الناس أثمانًا جسيمة تستحق أن يُستكمَل السعي إليها بوعيٍ أعلى، وإرادة أصلب، وثقة لا تنكسر.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment