الخطاب التوراتي لهاكابي يقوض اتفاقيات إبراهيم
بقلم: شربل عبد الله أنطون
عندما قال السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي في مقابلة مع تاكر كارلسون في 20 فبراير/ شباط الجاري إنّه سيكون من "المقبول أن تأخذ إسرائيل كل شيء" — في إشارة إلى ما يُعرف بالحدود التوراتية الممتدة من النيل إلى الفرات — لم يثر غضباً عابراً فحسب. بل هزّ الأسس الدبلوماسية التي أمضت الولايات المتحدة سنوات في بنائها.
ورغم أن هاكابي حاول التصحيح معتبراً أن في كلامه "مبالغة". لكن الضرر كان قد وقع. وصمت واشنطن حوّل تصريحاً فردياً إلى ما يُنظر إليه كتحوّل في السياسة الأميركية.
عاصفة إقليمية — وغياب تام للتوضيح الأميركي
ردود الفعل العربية جاءت خلال ساعات: المملكة العربية السعودية أدانت "الخطاب المتطرف" واعتبرته مهدِّداً للاستقرار. واعتبرته مصر انتهاكاً للقانون الدولي. فيما وصفه الأردن بـ "غير مسؤول وتصعيدي وسخيف". وقالت وزارة الخارجية الفلسطينية إنه "دعوة صريحة" لانتهاك سيادة الدول. واتهمت الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي هاكابي بخرق الأعراف الدبلوماسية.
لكن ما حدث لاحقاً كان أكبر بكثير. فقد أصدرت وزارات خارجية السعودية ومصر والأردن والإمارات وقطر والكويت وعُمان والبحرين ولبنان وسوريا وفلسطين وتركيا وباكستان وإندونيسيا — إلى جانب منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي — بياناً مشتركاً عبّر عن "إدانة شديدة وقلق بالغ" من تصريحات هاكابي. وحذّر البيان من أن الإيحاء بأنه من المقبول أن تسيطر إسرائيل على أراضٍ تابعة لدول عربية ذات سيادة — بما فيها الضفة الغربية المحتلة — يشكّل تحدياً مباشراً للقانون الدولي وللاستقرار الإقليمي.
لم يكن هذا اعتراضاً بروتوكولياً، بل انتفاضة دبلوماسية منسّقة من معظم العالمين العربي والإسلامي، بما في ذلك دول منخرطة في اتفاقات أبراهيم.
لماذا ليست زلّة لسان، بل أزمة سياسة
هاكابي ليس معلّقاً سياسياً. بل هو سفير الولايات المتحدة، ومُعيَّن من الرئيس ترامب شخصياً. وفي الشرق الأوسط، تُعامل تصريحات السفراء باعتبارها امتداداً مباشراً للسياسة الرسمية ما لم تُعلن واشنطن العكس بوضوح.
وصمت البيت الأبيض ووزارة الخارجية يوحي بأن الولايات المتحدة تتبنّى خطاباً دينياً حول حدود إسرائيل، وهو ما يناقض عقوداً من السياسة الأميركية المتّسقة.
هذا الانطباع يضرب في الصميم:وفي آن واحد: الأساس البراغماتي لاتفاقات أبراهيم، ومصداقية واشنطن كوسيط، وثقة المنطقة بثبات الموقف الأميركي.
اتفاقات أبراهيم في مهبّ الريح
قامت اتفاقات أبراهيم على التعاون العملي: التجارة، التكنولوجيا، الأمن المشترك. ولم تُبنَ يوماً على أساطير دينية أو طموحات توسعية.فيما تُدخل تصريحات هاكابي الأيديولوجيا في إطار صُمّم أصلاً لتجنّبها.
ومن أهم الأسئلة هنا: كيف يستطيع ترامب اقناع السعودية بالمضي في التطبيع إذا بدا أن واشنطن تُضفي شرعية على مطالب تمسّ أراضيها أو أراضي جيرانها؟
الصمت: استراتيجية أم تخلٍّ؟
كان يمكن لجملة واحدة من الخارجية الأميركية ، مثل"هذه آراء شخصية لا تعبّر عن سياسة الولايات المتحدة”، أن تُطفئ الحريق. لكن واشنطن اختارت الصمت (إلى الآن). وهذا الصمت: يمنح إيران و"حزب الله" مادة دعائية جاهزة. ويعزّز الاتهامات بازدواجية المعايير الأميركية. وقد يدفع دول الخليج نحو الصين وروسيا بحثاً عن شركاء أكثر ثباتاً من واشنطن. كما يقوّض خطاب الولايات المتحدة حول احترام السيادة في العالم
الغموض ليس سياسة في منطقة تهزها الحروب القائمة والآتية، بل مصدر فوضى.
النفوذ الأميركي يتآكل
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حدود توراتية ولا إلى ارتجال دبلوماسي. بل يحتاج إلى وضوح وثبات ودبلوماسية مسؤولة.
وإذا استمرت واشنطن في الصمت، فإنها تخاطر بانهيار اتفاقات أبراهيم، وتراجع ثقة الحلفاء، وتمدّد خصومها لملء الفراغ.
الصمت ليس حياداً. الصمت سياسة. واليوم، هذا الصمت يكلّف الولايات المتحدة ما تبقّى من مصداقيتها التي بُنيت عبر عقود.













02/22/2026 - 11:14 AM





Comments