رشيد ج. مينا
جلسة مجلس النواب اللبناني لمناقشة وإقرار قانون الموازنة، كما كثير من الجلسات التي عُقدت سابقًا، ليست سوى مساحة للتباري الخطابي والتنافس الكلامي، في محاولة لإظهار حيوية ديمقراطية شكلية، تتناقض كليًا مع حقيقة الواقع السياسي القائم على الديمقراطية التوافقية التحاصصية.
قانون موازنة آتٍ من حكومة تتمثّل فيها غالبية القوى السياسية، مرّ وأُقِرّ في لجنة المال والموازنة النيابية، ويأتي النواب اليوم لمناقشة بنوده وإقراره، من دون أي نقاش فعلي أو موقف مؤثّر. فهذه الموازنة، وبعيدًا عن ألارقام، ليست إلا استمرارًا للسياسات المالية نفسها التي درج عليها لبنان منذ عقود، وهي سياسات أوصلته إلى هذا الدرك من الانهيار.
المجلس النيابي، المكوَّن في غالبيته من القوى ذاتها التي تشاركت السلطة في كل مفاصلها، والذي يُفترض أنه يمثّل الشعب وإرادته، لم يأتِ في الحقيقة نتيجة خيار شعبي حر، بل بفعل قانون انتخابي مفصّل على قياس هذه القوى، يضمن إعادة إنتاجها على قاعدة الطائفية والمذهبية والمحاصصة والزبائنية.
إن النقاش الاستعراضي والتنافس الخطابي، سواء من نواب القوى المشاركة في الحكومة أو من غيرهم، لن يحقّق أي نتيجة ينتظرها اللبنانيون. فالشعب لا ينتظر خطابات ولا مناكفات إعلامية، بل دورًا تشريعيًا ورقابيًا فاعلًا، يدفع باتجاه معالجات جدّية للأزمات المتراكمة.
موازنة تقوم أساسًا على الضرائب والرسوم التي تُنهك المواطن اللبناني، من دون خطة اقتصادية–اجتماعية شاملة للدولة، ليست سوى تعميق لنهج الإفقار والحرمان، ودفع البلاد أكثر فأكثر نحو الانحدار. وما قيل في الجلسة، من معظم المتحدثين، لم يرقَ إلى مستوى نقد حقيقي أو تفنيد جدي للسياسات، بل اقتصر على كلمات سياسية تناكفية ورسائل انتخابية مبكرة، لا أكثر.
إن موازنات الدول ليست جداول ضرائب ورسوم لتأمين رواتب موظفي القطاع العام وتسيير المرافق بما تيسّر، ولا فتاتًا يُرمى لمجالس الرقابة وبعض الوزارات، في ظل غياب خطة واضحة لمعالجة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. الموازنة يجب أن تكون أداة سياسية–اقتصادية تعكس رؤية الدولة، وخياراتها، وأولوياتها.
أما في لبنان، فالمسار المعتمد لا يتضمّن أي خطط جدّية لإعادة الإعمار، ولا تنمية متوازنة تشمل كل المناطق، ولا رؤية واضحة للنهوض بالاقتصاد، أو الزراعة، أو الصناعة، أو الصحة، أو التربية، أو السياحة، أو الرياضة، أو التحوّل الرقمي.
بهذا النهج، لن نصل إلى نتائج تتوافق مع تطلعات اللبنانيين، ولا إلى مستقبل يليق بهم في وطنٍ ودولة، لا في ساحة صراع مفتوحة. والاستمرار في هذا المسار يعني البقاء في نفق لا يلوح له مخرج حتى الآن.
إن أي حديث عن إصلاح مالي أو موازنات أو رقابة برلمانية يبقى بلا جدوى ما لم يُعالَج أصل الخلل في النظام السياسي نفسه. فمجلس يُعاد إنتاجه بالقانون الانتخابي ذاته، وعلى القواعد الطائفية والمذهبية والتحاصصية نفسها، لا يمكن أن يكون أداة تغيير أو محاسبة، بل سيبقى جزءًا من الأزمة مهما تبدّلت الوجوه والخطابات.
من هنا، تصبح الحاجة إلى قانون انتخابي جديد ضرورة وطنية ملحّة لا تحتمل التأجيل، قانون يؤمّن صحة التمثيل، ويحرّر إرادة الناخب من القيد الطائفي والمال السياسي، ويفتح الباب أمام قوى تغيير حقيقية تعبّر عن مصالح الناس لا عن شبكات النفوذ. وحده قانون كهذا يمكن أن يؤسّس لبرلمان مختلف، ولموازنة مختلفة، ولمسار سياسي واقتصادي جديد يخرج لبنان من دائرة التدوير إلى أفق التغيير الفعلي.
من دون ذلك، ستبقى الموازنات تُقرّ شكليًا، والجلسات تُعقد استعراضيًا، والأزمات تتراكم، فيما يُدفع البلد أكثر فأكثر نحو الانهيار، ويبقى النفق مفتوحًا بلا مخرج.













02/22/2026 - 09:16 AM





Comments