رشيد ج. مينا
من يتتبّع مسار الانهيار المالي في لبنان منذ سنوات، يدرك أنّ ما جرى لم يكن أزمة عابرة، ولا مجرد سوء إدارة أو خطأ في السياسات. ما حصل هو جريمة مكتملة الأوصاف، جريمة نُفّذت على مراحل وبهدوء قاتل، شاركت فيها أطراف المنظومة كلها، ثم جرى التستر عليها بتسميات مضلِّلة كـ «أزمة المودعين» و«الخطة المالية» و«توزيع الخسائر».
هي ليست خسائر… إنها سرقة العصر.
السياسيون الذين راكموا سلطتهم على حساب الدولة، والمصرف المركزي الذي تحوّل إلى حارسٍ لمنظومة الفساد، والمصارف التي لعبت دور الذراع التنفيذية، كلّها شكّلت شبكة واحدة حملت الناس نتائج عقود من النهب المقنّع. فجأة، أصبح المودع الذي وضع جنى عمره في المصرف هو المسؤول عن الانهيار، بينما الذين هرّبوا أموالهم وغطّوا سياسات الاستدانة والفوائد الخيالية يحاضرون اليوم في الإصلاح ومحاربة الفساد!
تحوّلت أكبر عملية نهب منظّم في تاريخ لبنان إلى ملف خلافي ونقاش أرقام، بينما الحقيقة واضحة:
كانت هناك إرادة كاملة لسرقة أموال اللبنانيين، ومن ثم شرعنة الجريمة من خلال قيود السحوبات، «الهيركات» المقنّع، دولارات المنصّات، ومسرحية القوانين التي لا تُقرّ إلا لحماية الفاعلين لا الضحايا.
الأخطر من ذلك أنّ الجريمة لم تكن مالية فقط… كانت سياسية بامتياز. الانهيار كشف تلاقي مصالح المنظومة السياسية والمالية، وارتباطها بشبكات نفوذ داخلية وخارجية جعلت من الدولة مجرد غطاء لقرارات تُتَّخذ خارج المؤسسات. فالمحاسبة الحقيقية تحتاج دولة، وهذه الدولة غُيّبت طويلًا لصالح «سلطة» لا ترى في الناس إلا صندوق تمويل دائم لفسادها. ومع غياب أي مساءلة، ومع تعطيل التحقيقات والتدقيق الجنائي، ومع ازدواجية القضاء وتدخّل السياسيين، تحوّل الملف إلى مأساة مفتوحة. هُجّر الآلاف، اندثرت الطبقة الوسطى، سُرقت مدّخرات العمر، وخسر الناس الثقة بكل ما يمثّل الدولة من مؤسسات ونظام سياسي.
إنّ سرقة العصر ليست حدثًا عابرًا، بل جرحًا مفتوحًا في الوعي الوطني. هي شاهد حيّ على سقوط منظومة بأكملها، وعلى حجم التواطؤ الذي لا يمكن التعامل معه بالإنكار أو التسويات. فهنا ليست المسألة أرقامًا وحسابات… بل حق شعب في الكرامة، في العدالة، في استرداد ما فُقد وما سُرق وما نُهب تحت حماية القانون وأرباب السلطة.
إنّ ما يجري اليوم من محاولات «تسوية» و«توزيع خسائر» ليس سوى محاولة جديدة للهروب من الحقيقة. لا نهضة ولا إصلاح ولا تعافٍ اقتصادي من دون محاسبة فعلية، ومن دون إعادة الحق لأصحابه، ومن دون تفكيك المنظومة التي أنتجت الانهيار ورعته ثم حاولت تبريره.
اللبنانيون لم يخسروا أموالهم فقط… خسروا الدولة.
ولا يمكن الحديث عن خسارة الدولة من دون التوقف عند هيمنة السلاح خارج الشرعية وما وفّره من مظلة سياسية ـ أمنية سمحت للمنظومة بأن تستمر في فسادها بلا مساءلة. فحين تتحول الدولة إلى مجرد «واجهة»، وتصبح القرارات الكبرى محكومة بقوة الأمر الواقع، يسقط ميزان العدالة ويتعطل القضاء وتُفرغ المؤسسات من دورها.
لقد جاء الانهيار المالي في ظل واقع سياسي مختلّ، واقع جعل من الدولة ضعيفة ومن الفساد محميًّا، ومن كبار الفاعلين في الجريمة محصّنين خلف الاصطفافات والانقسام والسلاح الذي يحول دون أي محاسبة حقيقية. وهكذا تحوّلت حماية السلاح إلى حماية للنهب، وإلى جزء أساسي من المعادلة التي أوصلت اللبنانيين إلى كارثة فقدان ودائعهم وفقدان دولتهم معًا. وإعادة بناء الدولة تبدأ من العدالة، لا من وهم الخطط التي تُكتب لحماية الفاسدين.
ولن تكون هناك عدالة طالما أنّ «سرقة العصر» لم تُسمَّ باسمها الحقيقي، ولم يُحاسَب من ارتكبها، ولم تُستعاد حقوق الناس. فالنهضة لا يقوم بها شعب منهوب… لكنها تبدأ حين يقرّر هذا الشعب أن يواجه، وأن يرفع صوته، وأن يستعيد دولته وكرامته وحقّه، مهما طال الزمن ومهما تعدّدت الجرائم التي تحاول المنظومة إغراقه بها.












02/22/2026 - 07:53 AM





Comments