رشيد ج. مينا
من المهد إلى اللحد تبقى أحلامنا أحلامًا. تبدأ كبيرة، واسعة كسماء الطفولة، ثم تصغر شيئًا فشيئًا حتى تتلاشى… أو تُغتال.
الطفل في بلادي يبدأ بأحلام كبيرة. يتخيل نفسه قادرًا على تغيير واقع الفقر والحرمان الذي يعيشه. ينظر إلى أبيه وأمه، إلى الأقارب والجيران، فيراهم منهكين؛ لا حديث لديهم إلا القلق من الغد، من متطلبات الحياة، من ارتفاع الأسعار، وتدنّي المداخيل، وغياب الضمانات الصحية والاجتماعية.
يبدأ بمقارنة الحلم بالواقع. وقبل أن يبلغ العاشرة، يجد نفسه مضطرًا إلى العمل. يبدأ في العطل الصيفية – إذا كان محظوظًا ويتلقى تعليمًا في واحدة من تلك المدارس البائسة، هي ومناهجها، حيث أيام التعطيل أكثر من أيام الدراسة. وما إن يبلغ الصف السابع حتى يصبح، ككثيرين من أقرانه، جزءًا من سوق العمل، تحصيلًا لمصروفه أو مساعدةً لأسرته، فيما ربّ الأسرة يكاد يعجز عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش. ومن يستمر في الدراسة، وينتقل إلى الجامعة، وينال شهادته، يجد نفسه بعد التخرّج جليس مقهى، أو واقفًا على أعتاب نائب أو زعيم، علّه ينال فرصة عمل. وإن حصل عليها، كان الأجر بالكاد يسدّ رمقًا، لا يثمن ولا يغني من جوع.
تصغر الأحلام…
سواء عند من دخل سوق العمل مبكرًا، أو عند من أنهى دراسته وتحصّل على شهادات. يصبح الحلم تأمين الرغيف، وشراء ملابس من سنة إلى سنة. وتبلغ المأساة ذروتها إن أصيب أحد أفراد العائلة بمرض أو احتاج إلى عملية جراحية. ومن تتاح له فرصة سفر أو هجرة لا يتردد. يراها الفرج، ويحسبها الحظ الجيد. لكن الحقيقة أعمق من ذلك. فالسبب ليس نقص الطموح، ولا ضعف القدرة، بل غياب الوطن بمعناه الحقيقي.
فالوطن ليس جغرافيا وتاريخًا فقط، بل دولة ومؤسسات، تخطيطًا وإدارة، عدالةً ومساواةً وتكافؤ فرص، مشاريعَ وحلولًا، وبناءً اجتماعيًا يفتح الطريق إلى مستقبل مشرق. ومن هنا تبدأ المسؤولية.
ليست هذه الحكاية قدرًا محتومًا. صحيح أن الأحلام تُحاصَر، وأن الواقع يضغط بقسوة، لكن التاريخ لم يتغيّر يومًا بالاستسلام، بل بإرادة من رفضوا أن تبقى أحلامهم صغيرة. الطفل الذي يُدفع إلى العمل ليس أقل قدرة، والشاب الذي يقف على أبواب الزعماء ليس أقل كفاءة، والإنسان الذي يهاجر ليس أقل حبًا لوطنه.
المشكلة ليست في الناس، بل في واقع فُرض عليهم، وتغييره لا يبدأ بشعار عابر، بل بوعيٍ يتراكم، وبعملٍ يُصرّ، وبمطالبةٍ لا تملّ، وببناءٍ ولو كان بطيئًا لكنه ثابت.
الوطن الذي نريده لا يولد فجأة، بل يُصنع. يُصنع حين نرفض أن نورّث أبناءنا الخوف بدل الحلم، وحين نتمسك بالعمل المنتج، وبالمحاسبة، وبالمشاركة، وبثقافة لا تبرر الفشل بل تسعى إلى تصحيحه.
من المهد إلى اللحد يعمل الإنسان في بلادي… فلنجعل هذا العمل طريقًا للكرامة، لا مجرد وسيلة للبقاء.
الأحلام قد تصغر، لكنها لا تموت ما دام فينا من يصرّ على أن يكبر معها.












02/21/2026 - 17:21 PM





Comments