إعداد الإعلامي جورج ديب
تعيش المنطقة منذ أشهر طويلة على وقع توتر متصاعد لم يعد يشبه ما اعتدناه في السنوات الماضية، فالإشارات التي كانت تُقرأ سابقًا كتحذيرات أو رسائل سياسية باتت اليوم أقرب إلى مقدمات حقيقية لحرب واسعة. كل ما يجري في الشرق الأوسط، من تحركات عسكرية إلى تبدلات في الخطاب السياسي، يوحي بأن المواجهة مع إيران لم تعد احتمالًا بعيدًا، بل مسارًا يتقدم بثبات نحو لحظة الانفجار. وفي هذا التحقيق الموسّع الذي تعدّه بيروت تايمز، يحاول الإعلامي جورج ديب تقديم قراءة شاملة للمشهد، تجمع بين التحليل السياسي والبعد الإنساني، وتضع القارئ أمام صورة كاملة لما يمكن أن يحدث في حال اندلاع الحرب التي يراها كثيرون قادمة لا محالة.
منذ سنوات، اعتمدت الولايات المتحدة وإسرائيل سياسة الردع التدريجي تجاه إيران، عبر العقوبات الاقتصادية والضربات المحدودة والضغوط الدبلوماسية. لكن هذا النموذج بدأ يتآكل مع توسع نفوذ طهران الإقليمي وتزايد قدرات حلفائها العسكرية، وصولًا إلى مرحلة باتت فيها واشنطن وتل أبيب تعتبران أن الردع لم يعد كافيًا، وأن إيران تجاوزت الخطوط الحمراء التقليدية. ومع كل تقرير دولي جديد حول البرنامج النووي الإيراني، تتزايد قناعة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن الوقت يضيق، وأن أي تأخير إضافي سيجعل الضربة العسكرية أقل فاعلية وأكثر كلفة. في المقابل، ترى طهران أن ميزان القوى يميل لصالحها، وأن الولايات المتحدة ليست في وارد خوض حرب طويلة، وأن حلفاءها قادرون على الضغط على واشنطن في أكثر من ساحة.
التحول في الموقف الأميركي يبدو واضحًا، فالإدارة الأميركية تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، من الهجمات على قواعدها في العراق وسوريا، إلى تهديد الملاحة الدولية، إلى ضغط الكونغرس لاتخاذ موقف أكثر صرامة. كما أن حلفاء واشنطن في الخليج يشعرون بأن الخطر يقترب منهم مباشرة، وأن أي تساهل مع إيران قد ينعكس تهديدًا مباشرًا على أمنهم. كل ذلك جعل الولايات المتحدة تنتقل من مرحلة احتواء إيران إلى مرحلة الاستعداد لعمل عسكري واسع، حتى لو لم يُعلن ذلك رسميًا.

في حال اندلاع الحرب، من المتوقع أن تبدأ بضربة جوية وصاروخية ضخمة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية ومراكز القيادة والسيطرة وقواعد الحرس الثوري ومصانع الصواريخ والطائرات المسيّرة. هذه الضربة ستكون مركّبة، تشارك فيها قاذفات استراتيجية أميركية وطائرات F-35 وصواريخ كروز من البحر وربما مشاركة إسرائيلية مباشرة. لكن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي، فهي تمتلك ترسانة صاروخية كبيرة وقدرة على استهداف القواعد الأميركية في الخليج وإسرائيل، إضافة إلى قدرتها على تفعيل حلفائها في لبنان وسوريا والعراق واليمن، ما يجعل الحرب متعددة الجبهات منذ لحظاتها الأولى.
المرحلة الأولى من الحرب ستكون الأخطر، لأنها ستحدد مسار المواجهة: هل ستتوسع إقليميًا؟ هل ستدخل دول الخليج مباشرة؟ هل ستُفتح جبهة لبنان؟ وهل ستتدخل روسيا أو الصين سياسيًا أو لوجستيًا؟ كل هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، لكن المؤكد أن الأيام الأولى ستكون الأكثر دموية والأكثر تأثيرًا على مستقبل المنطقة.
البعد الإنساني في هذه الحرب لا يمكن تجاهله، فإيران تضم أكثر من 85 مليون إنسان، كثير منهم يعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية خانقة. أي ضربة واسعة ستعني انقطاع الكهرباء ونقص الأدوية وانهيار البنى التحتية وموجات نزوح داخلية وارتفاعًا كبيرًا في عدد الضحايا. ودول الجوار ليست بمنأى عن التأثير، فلبنان والعراق وسوريا والخليج ستتأثر بشكل مباشر، سواء عبر الضربات العسكرية أو عبر الانهيارات الاقتصادية أو عبر موجات النزوح. وفي لبنان تحديدًا، أي توسع للمواجهة سيعني ضربات جوية مكثفة ونزوحًا داخليًا جديدًا وضغطًا على المستشفيات والبنى التحتية، في بلد يعاني أصلًا من انهيار اقتصادي غير مسبوق.
الحرب ستترك أثرًا كبيرًا على الاقتصاد العالمي أيضًا، فأسعار النفط ستشهد ارتفاعًا كبيرًا، وحركة التجارة العالمية ستتأثر، وسلاسل الإمداد ستتعطل، والأسواق المالية ستشهد تقلبات حادة. كل ذلك سيجعل الحرب الإيرانية الأميركية حدثًا عالميًا، لا إقليميًا فقط.
السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم هو: لماذا الآن؟ الإجابة تكمن في الحسابات المتناقضة لكل طرف. الولايات المتحدة ترى أن إيران أصبحت أكثر جرأة، وأن نفوذها الإقليمي يتوسع، وأن قدراتها الصاروخية تتطور، وأن برنامجها النووي يقترب من مرحلة حساسة. إسرائيل تعتبر أن أي تأخير سيجعل الضربة غير مجدية، وأن إيران تقترب من امتلاك قدرة نووية عسكرية، وأن البيئة الدولية الحالية تسمح بعمل عسكري. أما إيران، فترى أن الردع يعمل لصالحها، وأن واشنطن لا تريد حربًا طويلة، وأن حلفاءها قادرون على الضغط على الولايات المتحدة. هذا التباين في الحسابات هو ما يجعل الحرب أقرب.
هل يمكن تجنب الحرب؟ نظريًا نعم، لكن عمليًا يبدو الأمر صعبًا جدًا. لمنع الحرب، يجب أن يحدث واحد من ثلاثة: اتفاق نووي جديد، وهو شبه مستحيل في الظروف الحالية؛ أو تراجع إيران عن نفوذها الإقليمي، وهو غير وارد؛ أو تراجع واشنطن وتل أبيب عن خيار القوة، وهو غير مرجح. لذلك يرى كثير من المحللين أن الحرب باتت مسألة وقت.
شعوب المنطقة تعيش اليوم حالة قلق عميق، فالناس يخشون المجهول، ويتساءلون عن مستقبلهم في حال اندلاع الحرب: هل ستتوسع؟ هل ستطول؟ هل ستغير الخرائط؟ هل ستؤدي إلى انهيارات جديدة؟ وسط هذا الضجيج، يغيب الصوت الإنساني، لكن الحقيقة أن كل صاروخ يسقط يعني عائلة تُشرّد وطفلًا يفقد مدرسته وأمًا تبكي ابنها ووطنًا يدخل مرحلة جديدة من الألم. وهنا يأتي دور الإعلام، ودور مؤسسات مثل بيروت تايمز وغيرها، في نقل الحقيقة بعمق وإنسانية، بعيدًا عن التحريض أو التهويل، وقريبًا من الناس ومعاناتهم.
في حال اندلاع الحرب، قد تخرج إيران أضعف عسكريًا لكنها أقوى سياسيًا داخليًا وأكثر عداءً للغرب وأكثر اعتمادًا على حلفائها. وقد تحقق إسرائيل هدفها العسكري لكنها ستواجه ردودًا من جبهات متعددة وضغطًا دوليًا وتحديات أمنية طويلة الأمد. أما الولايات المتحدة، فقد تنجح في إعادة ضبط ميزان القوى لكنها ستواجه كلفة مالية ضخمة وانتقادات داخلية واحتمال تورط طويل.
الحرب على إيران، إذا اندلعت، لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل ستكون زلزالًا إقليميًا يعيد رسم التوازنات ويغير حياة ملايين البشر ويترك آثارًا تمتد لعقود. اليوم، كل المؤشرات تقول إننا نقترب من تلك اللحظة، والسؤال لم يعد هل ستقع الحرب، بل متى ستبدأ وكيف ستنتهي. وفي انتظار الإجابة، يبقى الإنسان هو الحلقة الأضعف، وهو من سيدفع الثمن الأكبر.












02/21/2026 - 09:48 AM





Comments