طوني لطيف حرب *
في عصرٍ يتسارَعُ فيهِ التّطوُّر التّكنولوجيّ، ويتّسع فيه العالم الافتراضيّ، تجتاح وسائل التّواصل الاجتماعيّ والمنصّات الرّقميّة يوميّات البشر، مؤثِّرةً في أسلوب حياتِهم وعلاقاتِهم الاجتماعيّة، إلى حدِّ السّيطرة شبه الكامِلة على عقولِهم وتفكيرِهم وإعادةِ تَوجيه سلوكيّاتهم، وتَشويه معالم الفرد الثّقافيّة والأخلاقيّة، عبر تَنميط تصرّفاتٍ ومظاهر مشوّهةٍ، تتحوّل شيئًا فشيئًا مَعاييرَ ومقاييسَ يُبنى عَلَيها. وبعد أن كانت الأجهزة وسيلةً يستغلّ الفرد ميّزاتها لتسهيل حياته، وتَلوين أوقات فراغه، أصبحت هي الّتي تقوده، وتتحكّم بمزاجه، وتعطِّل تفاعله. وقد وُلِد وانتشَر في الآوِنة الأخيرة مُصطَلَح، أو مَرَض، هو الإدمان الرّقميّ. فما هذا المرض؟ وما أسبابه؟ وما انعكاساتُه القريبة والبعيدة؟
إنّ الإدمان الرّقميّ، هو حالةٌ سلوكيّةٌ تتشكَّل بفعل الاستخدام المفرط والمستمرّ للوسائل والتِّقنيّات الرّقميّة مثل الأجهزة الذّكيّة، والإنترنيت، ومنصّات التّواصل. ويظهر هذا النّوع من الإدمان، عبر فقدان القدرة على التّخلّي عن الشّاشة، وفقدان سيطرة الفرد على ضَبْطِ الوقتِ الّذي يَقضيه أمامها. ولعلّ الإدمان على مشاهدة «الرّيلز»، هو من أشهر أنواع الإدمان الرّقميّ. فمن دون أن يشعُر، يتنقّل الفَرد بين المقاطع القصيرة، منها الّتي تُعجبُه فيُشاهدُها، ومنها الّتي يتخطّاها بتمرير إصْبَعِه، لأنّ مُحتَواها لم يشدّ انتباهَه، ولم يمدَّ دماغَه بدفعةٍ مُشبِعةٍ من الدّوبامين. وهكذا، تدور به المقاطعُ لساعاتٍ، بين تمريرٍ، وتخطٍّ وحفظٍ، ومشاركةٍ مع الأصدقاء... ومع بداية كلّ مقطعٍ قصيرٍ، يتعرّض جهازه العصبيّ، لاندفاعٍ مفاجئٍ للدّوبامين، يُشعِره بالمتعة، يتبعه هبوطٌ حادٌّ يُشعِرُه بالملل، الّذي بدوره يدفعه للبحث عن شعور المتعة والنّشوة من جديد؛ فيدخل الفرد في حلقةٍ مفرغةٍ، كمن يشرب الماء المالحة ليَرتَوي.
أمّا أسباب الإدمان الرّقميّ، فتتنوّعُ بين تِقْنِيّة ونفسيّة وتربويّة. إنّ إحدى أهمّ تِقنيّات التّسويق للمنصّات هي التّصميم الجاذِب والبرمَجة الذّكيّة؛ لذلك، تعتمد المنصّات على خوارزميّاتِ التّعلّم الذّاتيّ، الّتي تُراقِب نشاط الفرد على المنصّة، وتحفظ بياناته، وتتدرّب على تزويده بمحتواه المفضّل الّذي يُحاكي رغَباته السّابقة. بالإضافة إلى ذلك، تتعدّد العوامِل النّفسيّة الّتي تدفع الفرد إلى اللّجوء إلى المنصّات الرّقميّة، ومنها قلّة تقدير الذّات وضعف الثّقة بالنّفس، وثِقل ضُغوط الحياة. ونتيجةً لهذا، يسعى الفرد إلى الهروب من العالم الواقعيّ، حيث القلق والوَحدة والمشاكِل، إلى العالم الافتراضيّ بَحثًا عن التّقدير الاجتماعيّ، والتّواصُل الحرّ الّذي لا يفرض قُيودًا اجتماعيّة، أو قِيَمًا مُكبِّلة علَيه الاِلتزام بها. ولناحية التّربية، يُسمِّر الأهل أطفالهم الرّضّع، أمام شاشة الجهاز، مشغّلين لهم مقاطع منوّعة تُلهيهم، وتُسكِت صراخَهم، وتُنسيهم سبب بكائهم. إنّها لا شكّ، طريقةٌ فعّالةٌ تبلغ المنشود وتحقّق الغاية، ولكنّ عواقِبها الرّاقدة المتربّصة، لا تلبث أن تظهر فجأةً، وتتطوّر مع نموّ الطّفل لتصير مأساويّة كارثيّة في المستقبل. فكيف يقتنع فردٌ، تربّى على أنّ الشّاشة هي الجليس الأنيس، بالتّخلّي عن الجهاز؟ إنّ الطّفل بفطرته، لا يعلم بوجود الجهاز الذّكيّ، ولن يكترث له أو يتعلّق به، في حال لم يعتَده، أي لم يقدَّم له على أنّه وسيلته الوحيدة للّهو وتمضية الوقت.
وعن نتائج الإدمان الرّقميّ الوخيمة، فإنّ فقاعة التّسلية، الّتي تبدو رقيقةً شفّافةً لا يُكتَب لها البقاء سرعان ما تتحوّل قَوقَعةً رقميّةً مُظلِمة، كظلالٍ تلتهِم الفجر، وتعلُّقًا مَرَضِيًّا يؤدّي إلى الإدمان. والوسيلة التّعويضيّة تلك، تتحوّلُ عُزلةً طوعِيَّةً، وعادةً ينغمس فيها المُدمِن الرّقميّ، فتقود إلى تراجع التّفاعل الاجتماعيّ وضعف مهارات التّواصل الواقعيّ، كما إلى زيادةٍ في احتمال الإصابة بالأمراض النّفسيّة، لا سيّما الاكتئاب. في هذا السّياق، تشيرُ دراسةٌ نُشِرَت عام 2019، في المجلّة الطّبّيّة BMC Psychiatry أجرِيَت على أربعين ألف مشاركٍ تقريبًا (من الأطفال والشّباب) إلى أنّ الاستخدام المفرط للهاتف الذّكيّ، غالبًا ما تُرافقه اضطراباتٌ نفسيّة، وزيادةٌ في احتمالات الإصابة بالاكتئاب، والقلق، وضعف جودة النّوم. كما أدرجت منظّمّة الصّحّة العالميّة، عام 2018، «اضطراب الألعاب» في التّصنيف الدّوليّ للأمراض (ICD) بِوَصفِه سلوكًا إدمانيًّا على الألعاب الإلكترونيّة، يرتبط بعواقِبَ نفسيّة ضارّة.
لا شكّ في أنّ الحلّ المثاليّ، لتفادي الإدمان الرّقميّ، أو الحدّ من توَسّع قطره، يكمن في زيادة الوعي بالتّربية الرّقميّة، والاهتمام بتَوجيه الأفراد منذ الصّغر، نحوَ الطّريقة السّليمة لِاستخدام الأجهزة الإلكترونيّة والإنترنيت. وبرغم من أنّها لم تحظر استخدامها حظرًا كلّيًّا، فحكومة السّويد أعلنت تقليل استخدام الأجهزة في الصّفوف المدرسيّة، خصوصًا في المرحلة الابتدائيّة؛ لأنّ الدّراسات أشارَت إلى تراجعٍ في النّتائج الأكاديميّة عامّةً، وفي مهارات القراءة والكتابة لدى الأطفال خاصّةً؛ كيف لا، ودورة الدّوبامين قد مرّنت دماغ التّلاميذ على البحث عن المتعة الفوريّة السّريعة، بدلًا من العميقة الطّويلة؟ هذا هو السّبب وراء تشتّت انتباه التّلميذ، وضعف ذاكرته، وقلّة اهتمامه بالمحتوى الدّراسيّ العميق الّذي يتطلّب جهدًا ووقتًا، ما يعلّل تدنّي قدرته على الاكتساب. لم تنتَحِب السّويد لتَحسم الأمر، ولم تُغفِل ما نطقت به الدّراسات، ولم تعرج لتعبرَ من القَول إلى الفعل، وهي من أكثر الدّول تقدّمًا في العالم. فمتى تتضافر الجهود التّربويّة والتّعليميّة للتّصدّي لهذه الظّاهرة الفيروسيّة، وحماية أجيالٍ تحكمها شاشةٌ مضيئة، ومنصّات تجاريّة، وتِرندات سخيفة فارِغة؟
* مدقّق لغويّ، ومدرِّب معتَمَد، ومدرِّس للّغة العربيّة، ومؤلِّف دُروسٍ رقميّة مع مركز البُحوث والإنماء.
حاصلٌ على دبلوم تدريب المدرّبين (Crest Board USA- Meshkat) وإجازةٍ في التّدقيق اللّغويّ (جمعيّة الاتّحاد الإسلاميّ – لجنة الدّعوة والتّعليم الشّرعيّ)، وعلى ليسانس في البرمجة وعلوم الحاسوب (Cnam Liban).












02/21/2026 - 09:04 AM





Comments