رشيد ج. مينا
مشهد الجماهير الحاشدة التي لبّت الدعوة لإحياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، رغم المناخ الشتوي الماطر والبارد، لا يمكن قراءته بوصفه تعبيرًا عاطفيًا فقط، بل هو مؤشر على حال ضياع وتفكك وغياب مرجعيات قيادية لدى أحد المكونات الأساسية في لبنان؛ مكوّن يشكّل امتدادًا لعمق عربي واسع هو أمة بكل ما تعنيه الكلمة.
لا شك أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري شكّل حضورًا فاعلًا في مرحلة من أصعب المراحل الوطنية والإقليمية. كان له دور في الوصول إلى اتفاق الطائف، الذي مثّل بداية انتقال من الصراع إلى السلم، وأسهم في إطلاق مشاريع الإعمار، وذلك في ظل الهيمنة العسكرية والأمنية للنظام السوري آنذاك، وإمساكه بمفاصل القرار اللبناني.
لكن تلك المرحلة نفسها كانت تشهد رسم مشاريع إقليمية كبرى استهدفت إضعاف الحضور العربي الوحدوي الديمقراطي. وقد جاء اغتيال الحريري متزامنًا مع تمدد النفوذ الإيراني وصعود ما سُمّي بمحور المقاومة، فيما رُفعت في الداخل اللبناني شعارات عن جبهة تمتد من طهران إلى بيروت، اتخذت من فلسطين عنوانًا، لكنها ارتبطت بمشروع إقليمي أوسع.
ما بعد استشهاد الحريري لم يكن كما قبله. تولّى الشيخ سعد الحريري القيادة، وخاض تجربة سياسية طويلة، لكنها لم تُثمر في بناء تنظيم سياسي متماسك يحمل مشروعًا فكريًا واضحًا، ورؤية مستقبلية، وبنية تنظيمية ديمقراطية تتجاوز الشخصنة والتوريث. بل انخرط التيار في منظومة المحاصصة، وغطّى ممارسات السلطة، إلى أن جاء قرار تعليق العمل السياسي، من دون شراكة قيادية واضحة أو نقاش داخلي علني يفسّر الأسباب والخيارات.
لسنا هنا في موقع تقييم تجربة بعينها، بل في قراءة مشهد. والمشهد، بكل وضوح، يكشف فراغًا قياديًا في مكوّن يمتد جذره إلى عمق عربي يعيش بدوره حالة غياب وتهميش عن مسارات القرار الإقليمي.
الحاجة اليوم ليست إلى استعادة شعارات، بل إلى ولادة تنظيمات سياسية واجتماعية حرة، تقوم على أسس فكرية واضحة، وبرامج وطنية عربية، وبنية تنظيمية ديمقراطية، بعيدًا عن التبعية والارتهان والانقسام الطائفي والمذهبي والمناطقي.
الوعي الوطني، والتسلّح الفكري والثقافي، هما الطريق إلى استعادة القرار الوطني، وترسيخ الثقافة التشاركية، والسلوك الديمقراطي، وصون الحريات العامة، وقبول الآخر. ومن دون ذلك، سيبقى أي حشد عاطفي تعبيرًا عن حنين إلى مرجعية غائبة، لا عن مشروع سياسي حاضر.
إن الحشود التي تجتمع في ذكرى لا تبحث فقط عن استعادة صورة، بل عن مرجعية ومعنى ودور. لكن المشهد، مهما كان مؤثرًا، لا يعوّض غياب المشروع، ولا يُغني عن بناء تنظيم حديث، ديمقراطي، قادر على إنتاج قيادة جماعية ورؤية وطنية واضحة.
المكوّن الذي يشكّل امتدادًا لعمق عربي واسع لا يجوز أن يبقى أسير الحنين أو رهينة الانتظار. فإما الانتقال من الذكرى إلى الفعل، ومن الشخص إلى المؤسسة، ومن العاطفة إلى المشروع، وإما سيبقى الفراغ يتكرّر… ويكبر












02/21/2026 - 00:58 AM





Comments