المقايضة الكبرى: هل تعرض واشنطن على طهران «مقعداً دائماً» مقابل الطلاق من بكين؟

02/20/2026 - 09:57 AM

Arab American Target

 

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

أولاً: صراع الخوارزميات لا الطوائف

في الشرق الأوسط، نُكثر من تعداد القتلى، ونُقلّ من تعداد الأفكار. نختلف على الطوائف، ونغفل عن التحولات. فيما نحن نحسب أعداد المنتمين للمذاهب تحت شعار "طائفتي أكثر عدداً"، يحسب العالم "الخوارزميات". وبينما نغرق في وحول صراعاتنا، تدور في مكان آخر حربٌ صامتة، لا تُسمع فيها المدافع بل تُقاس بالشرائح الإلكترونية، وبدل أن تُرسم خرائطها بالدم على أنابيب النفط، تُرسَم اليوم بالألياف الضوئية.. وفي هذه الحرب الكبرى، تبرز إيران كلاعبٍ فيصل.

ثانياً: لماذا إيران؟ (القيادة التي لا تُبتز)

قبل السؤال عما سيحدث لو اندلعت الحرب، يجب أن نسأل عن أسبابها. أحد أهم أسباب القلق الأمريكي من إيران هو "استعصاء" قيادتها على الابتزاز؛ فالقيادة الإيرانية هي الوحيدة تقريباً التي لم تدخل "جزيرة إبستين" ولا توجد عليها ملفات إدانة أخلاقية يمكن استخدامها لتركيعها سياسياً. لذا، فإن المواجهة ليست كلاسيكية، بل هي صراع وجودي يهدف فيه النظام الإيراني إلى إخراج أمريكا من المنطقة كلياً.

ثالثاً: دروس التاريخ.. المستحيل ممكن

لمن يستبعد "الصفقات" بين الأعداء، عليه مراجعة التاريخ. في ذروة العداء عام 1985، جرت فضيحة "إيران-كونترا": صفقات سلاح سرّية مقابل رهائن. سقطت المحرّمات أمام المصالح، ومن يقرأ عقلية واشنطن يدرك أن «المستحيل» هو غالباً اسمٌ آخر لصفقة لم تُعلن بعد.

منذ عام 1990، أدخلت أمريكا المنطقة في مسارٍ أفاد إيران بشكل مذهل؛ سقط عدوّها في بغداد (صدام)، وضُرب خصمها في كابول (طالبان). حتى إسرائيل، التي تدرك واشنطن أن أي مواجهة مباشرة مع طهران لن تكون في مصلحتها، تحاول أحياناً "مغازلة" التاريخ الفارسي (كرفع اسم الإمبراطور قورش في شوارعها)، لأن الصراع في جوهره ليس دينياً، بل هو صراع للحفاظ على التوازن العالمي بين "الأنظمة العميقة" (الصين، إيران، ثم روسيا).

رابعاً: استنزاف روسيا و"العمى الرقمي"

ما يؤخر السلام في أوكرانيا ليس العجز عن التفاوض، بل استراتيجية لإشغال موسكو بعيداً عن خطوط التماس الأخرى، وتحديداً "طريق الحرير" الصيني. المعركة الحقيقية هي منع الصين من الوصول لقلب العالم دون المرور بالبوابة الأمريكية.

واشنطن تدرك أن أخطر ما قد تواجهه ليس "صاروخ نووي" روسي، بل "الظلام الرقمي". العالم اليوم مربوط بأكبال إنترنت بحرية هي "شرايين الحياة". أي مساس بها يعني شللاً عالمياً، التهديد الحقيقي هو أن يمتلك حلف (الصين-إيران-روسيا) القدرة على إغراق الغرب في "تعتيم تكنولوجي" شامل. كما حصل حين استهدفت قوة مجهولة خطوط الانابيب "نورد ستريم 1 و2" في بحر البلطيق في ايلول 2022، مما أدى إلى تسريبات ضخمة وتخريب شامل للبنية التحتية الروسية لنقل الغاز إلى أوروبا.

خامساً: سقوط "المناورة الروسية" والرسائل الصينية المزدوجة

لقد انتهت روسيا كقوة عالمية في نظر العالم، وبات تآكل دورها الإقليمي مسألة وقت لا غير؛ فالروس مارسوا سياسة "البيع والشراء" بأسلوب نفعي رخيص. فمع أول إشارة لمشاريع إعمار سوريا، سارعت موسكو لمحاولة إخراج الإيرانيين وصمتت عن التمادي الإسرائيلي ضد حلفائها، بل وذهبت للأخطر من ذلك بالتواطؤ مع نظام الأسد لتهريب الودائع المالية الإيرانية إلى الخزائن الروسية.

هذه الهشاشة الروسية تبدّت بوضوح حين جعلتها حربٌ (مفتعلة) على حدودها تقايض نفوذها في سوريا مقابل وقف النزيف في أوكرانيا، فخسرت دورها وتأثيرها. وبذلك، تحولت القواعد الروسية في سوريا من مراكز لحماية المصالح القومية إلى نقاط عاجزة تحتاج لمن يحميها، وتحول الضباط والجنود الروس الذين كانوا "حكام سوريا" الفعليين، إلى ما يشبه "أهل ذمة" يضطرون لدفع "ضريبة حماية" لمنظمات إسلامية بدائية كانت بالأمس تحت القصف الروسي.

هذا الانكسار الروسي قرأته بكين جيداً؛ ففي 4 فبراير 2026، أرسل الرئيس الصيني "شي جين بينغ" رسائل متزامنة لكل من واشنطن وموسكو، ليؤكد أن بكين قررت أن تكون "قطباً وسيطاً" مستقلاً لا تابعاً. فالصين اليوم ترفض الانجرار خلف المغامرات الروسية المتهالكة، وتتجنب وصف علاقتها بموسكو بـ "التحالف العسكري"، مفضلةً صيغة «أفضل من حلفاء» لحماية مصالحها التكنولوجية أولاً. هذا التفوق الصيني هو ما يضع أمريكا اليوم أمام سؤال وجودي: ماذا يبقى من القوة العسكرية التقليدية حين تصبح الشبكة هي الجبهة، والذكاء الاصطناعي هو السلاح، والخوارزمية هي الحاكم؟

سادساً: العرض الأمريكي الكبير (المقعد الدائم)

امام خروج روسيا من المشهد في المشرق العربي والاقليمي، تصبح ايران هي الدولة القادرة على تعبئة هذا الفراغ.

هنا نصل للسؤال الخيالي-المنطقي: هل يمكن أن تعرض واشنطن على طهران صيغة تمهّد لـ "مقعد دائم في مجلس الأمن" مقابل فكّ الارتباط الاستراتيجي مع بكين؟

من يتابع السياسة الامريكية يدرك بان امريكا لا تعيش ابدا ازمة المقايضات الاستراتيجية، وهي مستعدة لفعل كل شيء من اجل مصالحها، كما ان واشنطن تريد "تغيير سلوك" إيران لا "إسقاط النظام". تريد غازاً إيرانياً لأوروبا بدلاً من الروسي، وتريد مضيق هرمز مفتوحاً، وأمن إسرائيل مضموناً بلا حرب. ولتحقيق ذلك، تقدم أمريكا اليوم "أوراق اعتماد" وتنازلات ضمنية:

1. في سوريا: وضع توازنات جديدة دقيقة للغاية تحفظ النفوذ الايراني. دولة علوية برعاية فرنسية وسلطة ايرانية كاملة، مقابل كيان درزي محمي اسرائييليا ومبارك امريكيا.

2. في اليمن: تعزيز وضع "أنصار الله" كقوة حاكمة وشريكة في أمن البحار.

3. في الخليج: تراجع أدوار قوى إقليمية كالإمارات التي ستصبح ايرانية (كما قطر تركية والسعودية امريكية).

4. في لبنان: الإقرار بالواقع الشيعي الجديد، حيث انتقل الحزب من مرحلة المقاومة والعطاء دون حدود حتى في السياسة، الى مرحلة "الإدارة والتمأسس" والعمل المؤسساتي الصارم، وهو الذي يصنع كينونة شيعية عميقة وقوية وثابتة.

5. في غزة: انقذت حماس في اخر لحظة بقرار ايراني، رغم خطيئة قيادتها باحداث طوفان الاقصى من دون علم احد.

6. الخاتمة: نحو نظام "الدول السبع" الكبار عام 2035

7. تدرك واشنطن جيداً أن إيران لن تخرج خاسرة من أي صدام عسكري واسع، بل إن إسرائيل هي من ستدفع الثمن الأبهظ في حال اشتعال المواجهة. ومع ذلك، تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام خيارات صفرية؛ فهي تخشى من سيناريو "اليوم التالي" حيث يُحكم التحالف الصيني-الإيراني قبضته الكاملة على مضيق هرمز. وفي الخلفية، تبرز الحسابات الهندية المعقدة، إذ لا تحتمل "نيودلهي" انسداد شريان حياتها في المضيق، مما ينذر بفوضى إقليمية شاملة تحاول واشنطن تأجيلها بشتى الوسائل.

8. إن الحشد العسكري غير المسبوق للأساطيل الأمريكية ليس استعراضاً تقليدياً للقوة، بل هو محاولة بائسة للتحوط من "كارثة تكنولوجية". فخلف الكواليس، يدور حديث جدي عن أن الاعتماد الأمريكي المطلق على الرقمنة قد سمح للمهاجمين السيبرانيين باختراق الشيفرات والسيطرة على الآليات الحربية، لدرجة باتت معها الطائرات الحديثة عرضة للسقوط "كطائرات ورقية" في مهب الرياح السيبرانية. واشنطن اليوم لا تملك رفاهية الصمود أمام "فخ الهيبة" الذي قد ينصبه أسر طيار أمريكي واحد في طهران.

9. بناءً على ذلك، فإن إيران لن تخسر الحرب، بل ستجر الولايات المتحدة إلى استنزاف طويل قد يمتد حتى عام 2035، وهو التاريخ الذي سيؤرخ للسقوط النهائي للأحادية القطبية. وكما أفرزت الحرب العالمية الثانية "نادي الخمسة" الكبار، فإن هذا المخاض العالمي سيولد "نادي السبعة"؛ حيث ستنتزع إيران مقعدها الدائم كقوة عالمية، بينما ستطالب إسرائيل بمقعد مماثل، لينقسم العالم من جديد بين معسكر يملك لغة "التكنولوجيا" ومعسكر النظام العميق.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment