أزمنة الأصنام من الأمس إلى اليوم… حين تُختطف الدولة وقرارها

02/20/2026 - 07:04 AM

Arab American Target

 

 

 

 

 رشيد ج. مينا

من أصنام الألوهية الخادعة إلى أصنام السياسة الجديدة، الجوهر واحد وإن اختلفت التسميات وتبدّلت المظاهر.

الهيمنة، السيطرة، السلطة، النفوذ، والثروة… الهدف لم يتغيّر، وإن تغيّرت الشعارات.

لم نحطّم أصنام الأمس لنعبد الله الواحد الأحد، ثم نقيم لأنفسنا أصنامًا سياسية جديدة نخضع لإرادتها بدوافع عصبية طائفية أو مذهبية أو مناطقية، أو ارتهانًا للقمة العيش وحدود البقاء.

الإنسان خُلِق حرًا ليعبد الله وحده، لا ليكون تابعًا لزعيم أو حزب أو طائفة.

في زمن الصوم والصيام، حيث تتجلّى المعاني السامية والقيم الإنسانية والتكافل والإخلاص، تبدو المفارقة أكثر حدّة:

كيف نقبل أن تُستبدل العبودية الروحية بصنمية سياسية تُعيد إنتاج الخضوع باسم الانتماء والحماية والتمثيل؟

لبنان نموذج واضح في الواقع العربي؛ تنوّعه الديني الغني تحوّل، بفعل ضعف البنى السياسية، إلى مدخل للاستثمار الخارجي وزرع الفتن واستحضار عصبيات التاريخ والجغرافيا. بدل أن يكون وطنًا، صار ساحة. وبدل أن تكون الدولة مرجعية، أصبحت مخطوفة القرار والسيادة.

كل القوى السياسية، قديمها وجديدها، لم تختلف في الجوهر: ممارسة فوقية، تحاصصية، طائفية، تتعامل مع الشعب كمجموعات ملحقة لا كأصحاب قرار. الصنمية بعينها… لكن بثوب حديث.

الإبقاء على السلاح خارج القوى الشرعية، واستمرار الارتهان للخارج، وتكريس الفوضى، ليست أخطاء عابرة، بل منظومة تحمي بقاء هذه البنية وتغذّي استمرارها.

غير أن العبودية لله وحده تعني تحرير الإنسان من كل صنم، وإرادة الشعب ومصالحه فوق كل إرادة، لأن الإنسان الحر هو أساس المجتمع الحر.

إن كسر الصنمية الجديدة لا يكون بتبديل الوجوه ولا بتدوير المواقع، بل بإعادة الاعتبار للإنسان الحرّ، صاحب الإرادة والقرار. فلا قداسة لزعيم، ولا عصمة لحزب، ولا شرعية لأي سلطة تعلو فوق كرامة الإنسان وحقه في دولة عادلة.

التحرّر يبدأ من الداخل: من وعيٍ يرفض التبعية، ومن إرادةٍ لا ترتهن، ومن مواطنٍ يدرك أن صوته ليس هبة، وأن كرامته ليست منّة، وأن وطنه ليس مزرعة نفوذ.

لقد آن الأوان للخروج من زمن الأصنام، أيًّا كان اسمها، والانتقال إلى زمن الدولة — دولة القانون، والمؤسسات، والمساءلة، واحتكار السلاح بيد القوى الشرعية وحدها، واستعادة القرار الوطني كاملًا غير منقوص.

فالعبودية لله وحده تحرير للإنسان من كل صنم، والمواطنة الحقّة تحصين للوطن من كل ارتهان. وما لم يستعد اللبنانيون وحدتهم حول مشروع وطني جامع، يبقى الوطن ساحة، وتبقى الدولة غائبة، ويبقى الصنم قائمًا وإن تغيّر شكله.

إن التحرّر ليس شعارًا يُرفع، بل وعيٌ يُبنى، وإرادةٌ.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment