مارون سامي عزّام
عندما بدأت الكتابة قبل ثلاثين عامًا وأكثر، لم أكن ذا تجربة في مجال الكتابة، ولم أكتُب من قبل بتاتًا، إلاّ أنّي مارست رياضة المطالعة كثيرًا منذ صغري لغاية الآن، فبدأت تلمع بروق الإبداع في رأسي بشكل متكرِّر، وبدأت تتالى كتاباتي وتتنوَّع، مثلًا بعض خواطر الحب مستقاة من تجارب شخصيَّة. قساوة التّجربة تدفع الإنسان للكتابة، فيُعيد تجسيد الدَّور الذي عاشه، يصوِّر الظُّروف برؤية خاصّة، بحيثُ تمنح تجربته بُعدًا إنسانيًّا أعمق. التجربة الكتابيَّة ذات حدّين، من جهة قد تكون نقطة انطلاق نحو التألق الأدبي والشهرة، أمّا من جهة أخرى ممكن أن تعود عليه بالخيبة والخذلان، لعدم توضيح المغزى من وراء فكرته.
من تجربتي في الكتابة أذكُر أنّي أرسلت إلى صديقي الأديب ناجي ظاهر أثناء عمَله كمحرّرٍ في صحيفة "الصنّارة"، أولى كتاباتي، واعتبرتها آنذاك "قصيدة"، لكنّه نشرها بعد أن حذف عدّة أبيات، لم أنزعج من تصرفه... لم أتوقّف عن الكتابة... لم أضع إسفين المقاطعة بيني وبينه، رغم فشلي في تجربة الشّعر، إلّا أنّي لم أيأس، بل توجّهتُ إلى الكتابة النّثرية التي تتطلّب جهدًا فكريًّا كبيرًا، حيث يجب أن يكون الموضوع، متناسقًا، منسابًا، مترابطًا، مُشذَّبًا ومتكاملًا من كل الجوانب.
كلّما كان وَقْعَ التجربة قويًّا على الكاتب، هكذا يندمج فعليًّا مع نفسه، إلى أن يصبح المعنى أجمل، وتغدو التجربة عبارة عن فسيفساء جميلة من الكلمات وخاصةً في العلاقات الشخصيَّة، مثلما فعل الموسيقار بليغ حمدي حين كتب ولحّن أغنيته الشهيرة "الحب اللي كان"، التي غنّتها المطربة ميّادة الحنّاوي، موجّهًا إلى مطلَّقته المطربة وردة رسالة عتب أليمة، عندما أنكرت معرفتها به حين سألها أحد الصّحَفيين عنه، أجابت: "ما عرَفوش"، فقام بليغ بكتابة وتلحين الأغنية بيومٍ واحد.
إذا أراد "المجرّبون" توجيه رسالة ما لحبيبتهم، بإمكانهم نقل تجربتهم إلى استوديو الخيال، وهناك تبدأ عمليَّة الصياغة الفنيَّة، بشرط أن يُعيدوا كتابة النص عدّة مرات، إلى أن تصبح فكرتهم خالية من شوائب التظاهرة الإبداعية... الكتابة لها خصوصيَّة، وليست نزوة عابرة، أو تجربة أحاديَّة، بل هي نظام إبداعي شامل، متكامل، يشمل جميع المكوِّنات الكتابيَّة، إذا كان هناك خلل في عنصر السرد، من المؤكّد ستكون النتيجة ناقصة، أو بالأحرى خالية تمامًا من مقوِّمات النّجاح.
مخاطبة العشّاق لفتيات أحلامهم عبر الشّعر لشاعرية أحاسيسهم، أو ينثرون عبير أشواقهم فوق أوراق لوعتهم في عيد الحب فقط... لا شك أنهم مُخطئون، وكأن اشتياقهم موسِميّ، لا يدركون أن نهر التجارب لا يتوقف عن الجريان في نهر مغامراتهم، ليكتشفوا في أعماقه خبايا ماضيهم، التي تهيئ لهم كل مَرّة، حكاية عن تجربة مختلفة.
الإبداع هو مزيج من التجربة والوعي، ومُساعده الخيال هو القادر على بلورته بواقعيَّة جديدة، وأعتقد أن كل كاتب مبدع يحترم مخزون تجاربه، التي هي عبارة عن سلسلة من الأحداث التي أثَّرَت على حياته، لذا سيُقدّس حُرمة الكتابة، حتّى يصل بفكرته إلى نشوة عطائه، ساعتئذٍ يتصالح مع أنانيّة كبريائه، التي ترفُض الاعتراف بأهميَّة التجربة المكتوبة بدواة المعاناة... الكتابة لم تعُد أداة من الأدوات التجريبيَّة الهامشيَّة!! بل إنها ركيزة أساسيَّة، تُحوِّل الإحساس الغامض إلى معنى حقيقي، لأنه بدون التجربة لا وجود للإبداع.











02/20/2026 - 06:56 AM





Comments