رشيد ج. مينا
يتردد كثيرًا الحديث عن “السلام” بين العرب و"إسرائيل" أو عن “السلام في الشرق الأوسط”، وهو حديث ترتفع وتيرته أو تنخفض تبعًا لحجم المشاريع والمصالح الأمريكية–الصهيونية التي يُراد تمريرها في المنطقة.
السلام في جوهره حالة من الأمان والعدالة والرفاهية، لا مجرّد غياب الحرب. هو تحرّر من الخوف والعنف، وانسجام داخلي وخارجي، وأمانٌ اجتماعي واقتصادي. فهل يمكن أن ينطبق هذا التعريف على الكيان الصهيوني الأيديولوجي، أو على إسرائيل الكيان السياسي العسكري المفروض بالقوة والدعم الغربي والأمريكي الكامل؟
هل تتخلى الصهيونية عن أفكارها وأهدافها في قيام "إسرائيل الكبرى"؟
هل انتفت الحاجة الغربية والأمريكية إلى إسرائيل كقوة متفوقة ومهيمنة على المنطقة، تؤمّن مصالحها الاستراتيجية في الطاقة والممرات البحرية ومفاتيح التواصل العالمي؟
ما شهدناه من تطورات وعدوان وحشي خلال السنتين الأخيرتين في فلسطين – في غزة والضفة – وفي لبنان واليمن وسوريا وإيران، وما رافقه من تصريحات وخطط وخرائط صهيونية حول “إسرائيل الكبرى”، وما عُقد من مؤتمرات تحت شعارات السلام الإبراهيمي، لم يكن سوى انتقال إلى مرحلة جديدة من الصراع، تُطلَق فيها يد إسرائيل أكثر فأكثر في التوسع والهيمنة، لتؤكد تفوّقها العسكري والتكنولوجي، تحت رعاية أمريكية مطلقة.
وأقصى ما يمكن أن يُسمّى “سلامًا” في هذا الإطار هو هدنة مؤقتة لا أكثر. فالصهيونية لا تتخلى عن أهدافها، ونحن العرب لا يمكن أن نتخلى عن حقنا في التحرير، واستعادة فلسطين حرة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
كما لا يمكن أن يكون سلام بلا عدل، ولا أمن بلا حق، ولا استقرار في ظل الاحتلال.
إن المقاومة العربية الحقيقية لم تعد محصورة في البندقية، بل اتسعت لتشمل العلم والإيمان، والتنمية البشرية والاقتصادية، والوحدة الوطنية، والتحرر من الموروثات الاستعمارية والمفاهيم التي سُقنا إليها قسرًا.
العرب متجذرون في الأرض، وهم أصحابها، والحق لا يُمحى بسطوة الباطل.
نعم، قد يمرّ العرب بكبوات، لكنهم لا يموتون. سيخرج من صفوف شعوبهم دائمًا من يستعيد المبادرة، ويعزز التكامل العربي، ويعيد للأمة مكانتها بين الأمم في القوة والتقدم والكرامة. فالحقّ باقٍ، والباطل إلى زوال، وإن طال أمد جولاته.
إنّ السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة ولا يُشترى بالمال، بل يُبنى على الحق والعدالة والكرامة. ومن لا عدل له لا سلام له، ومن لا حرية له لا أمان له.
فكما سقطت إمبراطوريات الغزو والاستعمار من قبل، ستسقط الصهيونية، لأنّها مناقضة لطبيعة التاريخ ومسار الإنسانية. وسينتصر الفلسطيني والعربي الحر، لا لأنّ العالم سينصفه، بل لأنّ الحقّ الذي يسكنه أقوى من كلّ سلاح، وأبقى من كلّ احتلال.











02/20/2026 - 06:33 AM





Comments