أدهم إبراهيم
يقف العراق اليوم في قلب مشهدٍ إقليمي مضطرب، على أرضٍ رخوة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. أزمة تشكيل السلطة، الخلافات حول انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، وانقسام الكتل الكبرى، ليست سوى أعراض لمرض أعمق: دولة تُدار من الخارج فوق هشاشة داخلية مزمنة، وطبقة سياسية فاسدة تتعايش مع أوضاع خطيرة مدفوعة بمصالح حزبية وأنانية ضيقة.
تتزامن الأزمة العراقية مع مفاوضات بين واشنطن وطهران تحت أقصى الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تمارس الولايات المتحدة ضغطًا على قوى سياسية عراقية لإبعاد العراق عن التبعية لإيران واستبعاد جماعات مسلحة من الحكومة المقبلة. وقد نقل القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، رسائل تحذير متكررة لمسؤولين عراقيين خلال الأشهر الماضية، في وقت بدا فيه انحيازٌ واضح لشخصيات متهمة بالفساد، ما كشف ازدواجية المعايير حين تُستخدم مفاهيم مثل “السيادة” و“مكافحة الفساد” كأدوات سياسية لفرض واقع معيّن بدل التأسيس لدولة مؤسسات.
انفجرت موجة “التباكي على السيادة” بعد تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب استبعد فيها أحد السياسيين من الترشيح لرئاسة الوزراء تحت طائلة وقف المساعدات. فارتفعت أصوات تتحدّث عن “العراق كدولة ذات سيادة وليس ولاية أميركية”. لكن هذا الخطاب، مهما بدا وطنيًا، يتجاهل واقع التبعية المركّبة: فمنذ عام 2003 لم يأتِ رئيس وزراء عراقي إلا ضمن تفاهمات أميركية–إيرانية، وبقي القرار الوطني معلّقًا بين قطبين يتنازعان النفوذ.
اقتصاديًا، تُدار شرايين الدولة من خارج حدودها. فإيرادات النفط الدولارية مودعة في الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وتُجدَّد سنويًا أوامر تنفيذية أميركية لحماية صندوق تنمية العراق وأموال النفط من الحجوزات القضائية ومطالبات الدائنين. هذه “الحماية” التي تشمل عشرات المليارات تمنح واشنطن نفوذًا مباشرًا على الاستقرار المالي والسياسي، وتُبقي السيادة الاقتصادية شعارًا بلا أدوات فعلية. المفارقة أن حكومة بغداد تدعو إلى تعزيز استقلالها المالي بينما مفاتيح التدفقات الكبرى ليست في يدها.
على الضفة الأخرى، يتجذّر النفوذ الإيراني داخل البنية السياسية والأمنية. تمتلك طهران شبكة تأثير في الحكومة والأحزاب المتنفذة ومراكز صنع القرار، وتلعب دور “الوسيط” حين تنشب الخلافات بين الأحزاب والميليشيات، لتحافظ على تكتلٍ يضمن حصص الجميع ويمنع انفراط العقد الذي راكمت عبره نفوذها. وفي أزمات كثيرة، تُستخدم الميليشيات لابتزاز الدولة وممارسة الضغط السياسي، ثم تتقدّم الدبلوماسية الإيرانية لحلّ النزاع بما يكرّس دور الوسيط ويفتح باب مقايضات جديدة على حساب السيادة.
وتتجلّى هشاشة الدولة أكثر في الواقع الأمني: ميليشيات منفلتة، فساد ينخر مؤسسات الحكم، قوات أجنبية على الأراضي العراقية، وتدخل إيراني سافر في تفاصيل السياسة والاقتصاد والإعلام. دستوريًا، يمتلك رئيس الوزراء الصلاحيات التنفيذية الأوسع، لكن الواقع يكشف أن قراراته مرتهنة لسلطة السلاح غير المنضبط. وما يزيد الصورة قتامة أن بعض الزعماء السياسيين يقصدون طهران للتشاور بشأن تشكيل الحكومة وتسمية الرئاسات، في إقرار عملي بأن القرار لا يُصنع في بغداد وحدها.
اقتصاديًا واجتماعيًا، تغلغلت المصالح الإيرانية في قطاعات الاستثمار والسياحة الدينية والتجارة، مع تسهيلات واسعة للتأشيرات وإغراق السوق بسلع استهلاكية رخيصة. وهكذا تحوّلت إيران إلى شريك تجاري رئيسي للعراق منذ 2003 باستثمارات بمليارات الدولارات، فيما تُستنزف فرص بناء صناعة وطنية قادرة على خلق وظائف للشباب. هذا التوغّل لم يبقَ اقتصاديًا فقط؛ بل امتدّ إلى المجتمع، حيث تُستهدف فئات شابة للتجنيد في أجنحة مسلحة تؤمن بـ“ولاية الفقيه”، فتتحوّل الأزمات المعيشية إلى وقود تعبئة عابرة للحدود.
إن مستوى البؤس والتخلّف وسوء المعيشة الذي بلغه العراق ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لمصادرة استقلاله، ودعم الفاسدين، وإدارة الدولة كـ“ملفات متنازع عليها” لا ككيان ذي إرادة مستقلة. تبدّل الأسماء والخطابات لا يغيّر الحقيقة ما دام القرار الوطني معلّقًا والنظام السياسي قابلًا للاختراق، والنخب متكيّفة مع هذا التعليق. الخطر ليس في حضور الخارج وحده، بل في غياب تعريف داخلي صارم لمعنى السيادة وحدود الشراكة.
الأزمة السياسية الأخيرة كشفت شرخًا داخل الإطار التنسيقي، بما يعكس هشاشة النظام وفشل الطبقة السياسية، وينذر بفراغ سلطوي يفاقم غضب الشارع وتدهور الثقة بالحكم. مثل هذه العوامل دفعت مئات الآلاف من الشباب إلى الاحتجاج في 2019 – رغم العنف والاغتيالات – وما زالت قائمة: بطالة، فساد مالي وإداري، وانسداد أفق سياسي. الإصلاح ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة؛ بل مسار طويل يتطلّب تفكيك اقتصاد الريع، ضبط السلاح بيد الدولة، استعادة القرار المالي، وبناء قضاء مستقل يحاسب “الكبار” قبل الصغار.
السيادة التي تُستعمل ورقة ضغط في صراعات الخارج ليست سيادة، والوطنية التي تُستدعى لحماية الكراسي ليست وطنية. الحاجة إلى تغيير سياسي عميق باتت ملحّة، ولا ينكرها إلا المستفيدون من الفوضى. إن المجتمع لن يصمد طويلًا أمام منظومة نهبت البلاد ورهنت المستقبل. الخلاص لن يأتي من اسم جديد على رأس السلطة، بل من انتقال العراق من إدارة فاسدة لدولة مختطفة إلى دولة تفرض منطقها، وتعرّف علاقاتها بوضوح، وتستعيد حقها في القرار. عندها فقط يصبح للحديث عن السيادة معنى يتجاوز الخطابة إلى الفعل الوطني.











02/20/2026 - 06:11 AM





Comments