لبنان… الدولة التي استباحتها الميليشيات

02/20/2026 - 06:07 AM

Bt adv

 

 

حسين عطايا

لا شكّ أنّ الأزمة اللبنانية، بتشعّباتها ومتفرّعاتها، تجاوز عمرها الأربعين عامًا، أي منذ توقّف الحرب الأهلية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. فمع توقف المدفع وإقرار استيعاب الميليشيات داخل الدولة اللبنانية، بدأت الأزمة الفعلية، رغم أنّ الدولة وقطاعها العام صمدا طوال خمسة عشر عامًا من الحرب الأهلية البغيضة.

ورغم ما تعرّضت له الإدارة العامة من أزمات ومشاكل، بقيت عصيّة على الاستباحة الواسعة، وحافظت أجهزة الدولة على حجمها الطبيعي. حتى الميزانية العامة بقيت في حالة وفرة، والعملة الوطنية حافظت على قيمتها نسبيًا. وخلال مرحلة الاستيعاب، بقيت الإدارة رشيقة نسبيًا ودخل إليها بعض النخب.

لكن في السنوات التي تلت تلك المرحلة، ومع دخول قادة الميليشيات إلى الدولة بمسميات جديدة — وزراء ونواب — وقعت الطامة الكبرى. فقد استُبيحت الدولة اللبنانية بكل أجهزتها: الجيش، قوى الأمن الداخلي، الأمن العام، ثم استُحدث جهاز جديد ليكون من حصة الطائفة الشيعية هو أمن الدولة. عندها بدأت عملية تقاسم الدولة وتوزيعها بين الميليشيات الحاكمة، وبدأت أكبر عملية حشو للموظفين في الإدارات العامة، خصوصًا في وزارات ومؤسسات محددة مثل وزارة الإعلام، المطار، شركة طيران الشرق الأوسط (MEA)، وقوى الأمن الداخلي.

وأصبحت بعض الرئاسات — رئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس النواب — محميات وإقطاعات تحتكرها طوائف معينة بحكم الدستور والعرف. فالعرف اللبناني، الذي يتفوّق على الدستور، جعل من رئاسة مجلس النواب موقعًا محصورًا بشخص واحد هو الرئيس نبيه بري، الذي بات يحتكر التعيينات والعديد والعتاد في حرس المجلس، وأنشأ لنفسه مقرًا خاصًا في عين التينة، أشبه بقصر رئاسي. وقد تضخّم عديد حرس المجلس ليبلغ أكثر من خمسة آلاف عنصر ورتيب وضابط، يقرّر الرئيس بري رتبهم ورواتبهم دون الرجوع إلى قوى الأمن الداخلي التي يتبع لها هذا الجهاز.

وخلال ثورة 17 تشرين 2019، تصرّف حرس المجلس كميليشيا لا كجهاز أمني رسمي، رغم عديده الضخم، فيما بقيت حماية النواب ومرافقتهم بيد جهاز أمن الدولة.

هذه مجرد عيّنة من استباحة أجهزة الدولة بعد اتفاق الطائف، الذي لم يُطبّق كاملًا حتى اليوم، بل اقتصر على عناوين عامة دون تنفيذ بنوده الإصلاحية. حتى قانون الانتخابات — السابق والحالي — يشكّل مخالفة كبرى للدستور الذي أُقرّ تطبيقه بعد الطائف. لكن الميليشيات التي شاركت في الحرب الأهلية، والتي تحكم اليوم، سنّت قوانين انتخابية تخدم مصالحها وتضمن احتكارها لتمثيل الطوائف.

ولا يقتصر الأمر على الموالاة، بل يشمل المعارضة أيضًا، إذ يشارك الطرفان في مخالفة الدستور لأن ذلك يضمن وصولهم إلى الندوة النيابية واحتكار تمثيل الطوائف.

ولنكون منصفين، فإنّ استباحة الدولة لم تكن متساوية بين الجميع. فبعض الطوائف تضخّم نفوذها نتيجة الحرب، وبعضها تقلّص بفعل الأزمات الاقتصادية والديموغرافية. وطوائف صغيرة مثل الدروز والكاثوليك أصبحت شبه مهمّشة، ومحرومة من تولّي وزارات محددة، بعدما قُسّمت الوزارات إلى سيادية وخدماتية وعادية، وحُصرت السيادية بالطوائف الكبرى.

وباتت بعض الوزارات حكرًا على طائفة واحدة، مثل وزارة المالية التي تُفتعل حولها أزمة في كل تشكيل حكومي بحجة “التوقيع الرابع”، في محاولة لفرض عرف جديد يتفوّق على الدستور، كما جرت العادة في لبنان.

هذه عيّنة مما حصل منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، بعد وقف الحرب والبدء بتطبيق مشوّه لاتفاق الطائف. ويبقى الأمل بأن يتحرّر الشعب اللبناني من الطائفية، وأن تتغيّر الأجواء الحاكمة، وتدخل نخب جديدة تؤمن بلبنان الوطن، لا بلبنان مزرعة الطوائف.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment