زمن الصوم… مسيرة القلب نحو القيامة

02/19/2026 - 19:23 PM

Arab American Target

 

 

الخوري الدكتور نبيل مونس *

 

اليوم نبدأ مسيرة زمن الصوم، تلك الرحلة الروحية التي تدعو الإنسان إلى أن يقف أمام ذاته بصدق، وأن يطلب من الرب عطيّة الارتداد الحقيقي، لكي يتمكن من أن يجيب بشكل أفضل على محبّة الله له، وأن يشارك هذه المحبّة مع الذين هم من حوله. فالصوم في المسيحية ليس مجرّد انقطاع عن الطعام، بل هو قبل كل شيء عودة القلب إلى الله، وفتح نافذة جديدة للنور الإلهي كي يدخل إلى أعماق الإنسان ويجدّد ما تهشّم فيه بفعل الزمن والضعف والخطيئة.

في المسيحية، يُنظر إلى الصوم على أنه زمن نعمة، زمن يوقظ في الإنسان شوقه الأصلي إلى الله، ذلك الشوق الذي يرافقه منذ لحظة خلقه. فالله، بحسب الإيمان المسيحي، لم يخلق الإنسان ليعيش في العتمة أو الضياع، بل ليكون شريكًا في الحياة الإلهية، وليتذوّق منذ الآن طعم القيامة. ولهذا، يأتي الصوم كمدرسة روحية تُعيد ترتيب الأولويات، وتذكّر الإنسان بأن قيمته لا تُقاس بما يملك، بل بما هو عليه أمام الله.

وتستند الكنيسة في دعوتها إلى الصوم إلى مثال يسوع نفسه، الذي صام أربعين يومًا في البرية قبل أن يبدأ رسالته العلنية. هذا الصوم لم يكن مجرّد تمرين جسدي، بل كان مواجهة روحية عميقة مع الشر، وانتصارًا على التجربة، وإعلانًا أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكل كلمة تخرج من فم الله. ومن هنا، يصبح الصوم المسيحي مشاركة في مسيرة المسيح، ودخولًا في سرّ محبته التي غلبت العالم.

الصوم الكبير، الممتد أربعين يومًا، هو زمن توبة وتجدد، لكنه أيضًا زمن رجاء. فالكنيسة لا تدعو أبناءها إلى الحزن، بل إلى الفرح الداخلي الذي يولد من المصالحة مع الله. لذلك، يرافق الصوم دائمًا بالصلاة والصدقة، لأن الإيمان المسيحي يرى أن الإنسان لا يمكنه أن يقترب من الله دون أن يقترب من أخيه الإنسان. فالصلاة تفتح القلب على الله، والصدقة تفتح القلب على الآخر، والصوم يفتح القلب على الذات، ليكتشف الإنسان ضعفه ويطلب القوة من الرب.

وفي هذا الزمن، تتذكّر الكنيسة أن الله لا يطلب من الإنسان أعمالًا عظيمة بقدر ما يطلب منه قلبًا صادقًا. فالله، بحسب المزمور، «قلبًا منكسرًا ومتواضعًا لا يرذله». لذلك، يصبح الصوم فرصة ليعيد الإنسان النظر في حياته، في علاقاته، في كلماته، في خياراته، وفي الطريقة التي يحب بها. فالمحبة هي جوهر الإيمان المسيحي، وهي العلامة التي تميّز التلميذ الحقيقي للمسيح. والصوم، في عمقه، هو تدريب على المحبة: محبة الله ومحبة القريب.

ومع اقتراب أسبوع الآلام، يدخل المؤمن في سرّ الفداء، حيث يتأمل في محبة المسيح التي بلغت ذروتها على الصليب. فالصليب، في المسيحية، ليس رمزًا للألم فقط، بل هو قبل كل شيء رمز للحب الذي لا حدود له. إنه إعلان أن الله لم يترك الإنسان في ضعفه، بل نزل إليه، وحمل عنه خطيئته، وفتح له باب الحياة الجديدة. ومن هنا، يصبح الصوم استعدادًا للقيامة، لأن القيامة ليست حدثًا تاريخيًا فقط، بل هي خبرة يعيشها المؤمن كل يوم عندما ينتصر على الخطيئة ويختار الحياة.

ويأتي عيد القيامة ليكون تتويجًا لمسيرة الصوم. إنه العيد الذي يعلن أن الموت لم يعد الكلمة الأخيرة، وأن الظلمة لا تستطيع أن تطفئ نور الله. القيامة هي قلب الإيمان المسيحي، وهي الحدث الذي غيّر وجه التاريخ. فالمسيح القائم هو الذي يعطي معنى للصوم، وللصلاة، وللصدقة، وللتوبة، وللحياة كلها. ومن دون القيامة، يبقى الصوم مجرّد جهد بشري، لكن مع القيامة يصبح الصوم عبورًا من الموت إلى الحياة، ومن اليأس إلى الرجاء، ومن الخطيئة إلى الحرية.

وفي هذا السياق، يذكّر البابا لاون الرابع عشر بأن الصوم هو زمن «ارتداد القلب»، لا زمن مظاهر خارجية. فالله لا ينظر إلى ما يراه الناس، بل إلى ما في القلب. لذلك، يدعو المؤمنين إلى أن يجعلوا من هذا الزمن فرصة للسلام الداخلي، وللمصالحة مع الذات، وللعودة إلى البساطة التي تفتح الطريق أمام النعمة. ويشدد على أن الصوم الحقيقي هو الذي يغيّر الإنسان من الداخل، ويجعله أكثر إنسانية، وأكثر رحمة، وأكثر قدرة على أن يرى وجه الله في وجه أخيه الإنسان.

إن الصوم الكبير هو دعوة إلى أن نبطئ إيقاع حياتنا، وأن نصغي إلى صوت الله الذي يهمس في أعماقنا. إنه دعوة إلى أن نعيد اكتشاف جمال الإيمان، وعمق الصلاة، وقيمة الصمت، ونعمة الغفران. إنه زمن نسمح فيه لله أن يعمل فينا، وأن يلمس جراحنا، وأن يبدّل قلوبنا، وأن يقودنا نحو القيامة التي نحتاجها جميعًا.

وفي عالم يمتلئ بالضجيج، وبالسرعة، وبالتوتر، يأتي الصوم كمساحة للراحة الروحية، وكنافذة يدخل منها نور الله ليعيد إلينا السلام. فالصوم ليس هروبًا من العالم، بل هو عودة إلى الذات لكي نعود إلى العالم بوجه جديد، وقلب جديد، وروح جديدة. إنه زمن نكتشف فيه أن الله لا يبتعد عنا، بل ينتظرنا دائمًا، وأن محبته لا تتغير، وأن رحمته أكبر من كل ضعف.

وهكذا، يصبح الصوم الكبير مسيرة حب، ومسيرة رجاء، ومسيرة قيامة. إنه الطريق الذي يقود إلى الفصح، حيث يعلن المسيح أن الحياة أقوى من الموت، وأن النور أقوى من الظلمة، وأن المحبة أقوى من كل شيء. وفي هذا الطريق، يرافق الله الإنسان، ويمنحه القوة، ويعطيه نعمة الارتداد الحقيقي، لكي يجيب على محبته بمحبة، وعلى نعمته بشكر، وعلى دعوته بفرح.

 

* الخوري الدكتور نبيل مُونس هو كاهن ماروني لبناني يتميّز بحضور روحي، فكري، وإنساني لافت، وقد أصبح اسمه معروفًا في لبنان والاغتراب بفضل كتاباته، نشاطه الرعوي، ومساهماته الإعلامية التي تجمع بين العمق اللاهوتي والبعد الإنساني.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment