لحظة سياسية تعيد رسم المشهد الإقليمي
واشنطن - اعداد ليلى ابو حيدر
في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وبينما لا تزال غزة تحاول النهوض من تحت ركام حرب مدمّرة، شهدت العاصمة الأميركية واشنطن حدثًا لافتًا تمثّل بانعقاد الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في محاولة لإعادة رسم مسار جديد للمنطقة، يقوم على إعادة إعمار غزة وتثبيت أسس سلام طويل الأمد. وقد بدا واضحًا أن المؤتمر لم يكن مجرد اجتماع تقني أو بروتوكولي، بل محطة سياسية أرادتها واشنطن لتوجيه رسالة مفادها أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والدبلوماسية بالأمن، في إطار رؤية جديدة تتكئ على التحالفات التي تشكّلت خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها اتفاقات إبراهيم.
الحضور الدولي الرفيع الذي ضم رؤساء دول ووزراء خارجية ومسؤولين من الصف الأول، عكس حجم الرهانات المعلّقة على هذا المسار الجديد. وفي قلب هذا المشهد، برز الدور الإماراتي بقوة، بعدما أعلن سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان عن تقديم 1.2 مليار دولار إضافية لدعم غزة عبر مجلس السلام، في خطوة تؤكد التزام الإمارات الثابت تجاه الشعب الفلسطيني، وتُظهر حضورها كقوة إقليمية فاعلة في مسارات الاستقرار وإعادة البناء.
المبادرة الأميركية الجديدة تختلف عن كل ما سبقها من مبادرات في المنطقة. فهي لا تكتفي بطرح حلول سياسية، بل تسعى إلى بناء منظومة متكاملة تشمل إعادة الإعمار، وتطوير البنية التحتية، وإطلاق مشاريع اقتصادية طويلة الأمد، إلى جانب وضع إطار أمني جديد يمنع تكرار الصراع. وقد تجاوزت التعهدات الدولية خلال المؤتمر خمسة مليارات دولار، فيما أشارت تقارير إلى استعداد خمس دول للمشاركة في قوة أمنية دولية لحفظ الاستقرار في غزة، وهو تطور غير مسبوق منذ عقود.
توقيت إطلاق هذا المشروع ليس عابرًا. فغزة تعيش هدنة هشة بعد حرب قاسية، والمنطقة تشهد توترًا متصاعدًا مع إيران، وهو ما عبّر عنه ترامب حين حذّر من «أمور سيئة قد تحدث قريبًا» إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق معها. كما أن التحولات التي أحدثتها اتفاقات إبراهيم فتحت الباب أمام تعاون عربي–إسرائيلي في ملفات اقتصادية وأمنية، ما جعل واشنطن ترى فرصة لإعادة تثبيت دورها القيادي في الشرق الأوسط بعد سنوات من التراجع النسبي.
في كلمته خلال المؤتمر، قدّم ترامب نفسه بوصفه «صانع السلام» الذي جمع قادة المنطقة لإنهاء الحرب، مستعيدًا لقاءات سابقة في نيويورك ضمّت ثمانية قادة إقليميين بهدف وقف القتال. أما المواقف العربية فجاءت متفاوتة، وإن بقيت الإمارات الأكثر حضورًا وتأثيرًا، بينما فضّلت بعض الدول التريث أو المشاركة بتمثيل محدود. وعلى الجانب الآخر، كان الغياب الأوروبي لافتًا، في مؤشر إلى تحفظات على طريقة إدارة الملف الفلسطيني.
ورغم الزخم السياسي والمالي الذي أحاط بالمؤتمر، فإن التحديات التي تواجه المشروع ليست قليلة. فالانقسام الفلسطيني الداخلي لا يزال عائقًا أمام أي رؤية موحدة لإدارة غزة، ودور إسرائيل الأمني المستقبلي في القطاع ما زال غامضًا، فيما يشكّل التوتر مع إيران عاملًا ضاغطًا قد يعرقل أي مسار سياسي مستقر. أما التعهدات المالية الضخمة، فهي تحتاج إلى آليات شفافة وجدول زمني واضح لضمان تنفيذها وعدم تحولها إلى وعود مؤجلة.
ومع ذلك، فإن ما جرى في واشنطن يفتح الباب أمام قراءة جديدة للمشهد الإقليمي. فالمجلس الذي أُعلن عنه قد يشكّل منصة لإعادة توزيع الأدوار بين القوى الدولية والإقليمية، ويعزز دور الإمارات كقوة سلام مؤثرة، خصوصًا أن دعمها لغزة منذ بداية الحرب تجاوز 4.2 مليارات دولار. كما يشكل المشروع اختبارًا جديدًا للولايات المتحدة، التي تسعى إلى إثبات قدرتها على إدارة الأزمات وصياغة حلول مستدامة.
في النهاية، تبدو المنطقة أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء غزة وإطلاق مسار سياسي جديد قد يغيّر شكل الشرق الأوسط لعقود. غير أن النجاح سيظل مرهونًا بالإرادة السياسية، وبقدرة الفلسطينيين على التوافق، وبإمكانية ضبط التوترات الإقليمية، وبالانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. ورغم كل التحديات، فإن حجم المشاركة الدولية والدعم المالي الكبير والدور الإماراتي الفاعل، كلها مؤشرات على أن نافذة أمل حقيقية قد بدأت تتشكل، وأن الطريق نحو سلام مختلف ربما بدأ من واشنطن.













02/19/2026 - 19:01 PM





Comments