معتز فخرالدين
لم يعد التوتر الإقليمي الراهن حدثًا طارئًا يمكن احتواؤه بأدوات إدارة الأزمات التقليدية، بل بات تعبيرًا عن تحوّل أعمق في بنية التوازنات الدولية والإقليمية. فالتصعيد المتسارع — سياسيًا وعسكريًا — لا يعكس مجرد خلاف حول ملفات محددة، بل صراعًا على إعادة تعريف موقع الشرق الأوسط في النظام العالمي المتشكّل، وعلى طبيعة القوة التي ستملأ فراغ التحولات الكبرى الجارية.
مقاربة واشنطن… وضبابية السلوك الإيراني
تتحرك الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب وفق مقاربة تقوم على تعظيم الضغط إلى الحد الذي يجعل التراجع أقل كلفة من المواجهة. إنها ليست سياسة حرب، بل سياسة فرض شروط ما بعد الحرب دون خوضها فعليًا.
لكن هذه المقاربة تفترض أن الطرف المقابل سيتصرف بعقلانية براغماتية — وهي فرضية لا تنطبق بالكامل على الحالة الإيرانية.
فإيران لا ترى الضغوط أدوات تفاوض، بل تهديدًا مباشرًا لبنية النظام ذاته. لذلك تعتمد استراتيجية مركّبة تجمع بين مرونة تكتيكية وصلابة استراتيجية: مناورة ممكنة، لكن دون تقديم تنازلات تمسّ توازنها الداخلي أو موقعها الإقليمي، خصوصًا مع انفتاحها المتزايد على الصين وروسيا كرافعتين دوليتين تكبحان الانفراد الأميركي.
من مواجهة ثنائية إلى عقدة دولية
بهذا المعنى، يتحول الصراع من مواجهة أميركية–إيرانية إلى عقدة دولية متعددة المستويات، تتقاطع فيها حسابات الردع النووي، وأمن الطاقة، وممرات التجارة العالمية، وصراعات النفوذ الكبرى.
ولذلك لا يبدو أن الأطراف تسعى إلى الحسم، بل إلى منع الآخر من تحقيق الحسم.
بين استحالة الحرب واستحالة السلام
المفارقة أن الحرب الشاملة مكلفة إلى حد يجعلها خيارًا غير عقلاني، فيما تبدو التسوية الشاملة مستحيلة لأنها تتطلب تنازلات لا يستطيع أي طرف تقديمها دون الإضرار بشرعيته أو مكانته.
واشنطن لا تريد حربًا طويلة تستنزف قدرتها على إدارة تنافسها مع القوى الكبرى.
طهران لا تستطيع تحمل ضربة وجودية مباشرة.
موسكو وبكين لا ترغبان في فوضى تعيد تشكيل النظام الدولي خارج حساباتهما.
أوروبا تخشى ارتدادات أمنية واقتصادية يصعب احتواؤها.
وبذلك يصبح الهدف الواقعي ليس إنهاء الأزمة، بل إبقاءها تحت سقف يمكن التحكم به.
العمق الاقتصادي والهشاشة الداخلية
قراءة المشهد من زاوية عسكرية أو دبلوماسية فقط تبقى قاصرة. فالقوة الحقيقية تُقاس بقدرة الدول على تحمّل كلفة الصراع داخليًا.
إيران تواجه اقتصادًا مثقلًا بالعقوبات والتضخم وتآكل القدرة الشرائية، ما يجعل أي حرب طويلة تهديدًا للاستقرار الاجتماعي.
إسرائيل تمتلك اقتصادًا متقدمًا لكنه شديد الحساسية للأمن، حيث يؤدي استمرار الحرب إلى نزيف الاستثمارات وتراجع الثقة.
الولايات المتحدة رغم تفوقها العسكري، تواجه قيودًا اقتصادية وسياسية تجعلها أكثر ميلًا لإدارة الصراع عن بُعد.
هكذا تمتلك الأطراف أدوات التصعيد، لكنها تفتقر إلى القدرة على تحمّل نتائجه الكاملة. لذلك يُعاد توجيه الصراع نحو الهوامش الأضعف بدل الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
لبنان: الهامش الذي يتحول إلى ساحة
يقف لبنان في موقع بالغ الهشاشة. فهو خارج القرار… لكنه داخل النتائج.
ضعف الدولة وتداخل العوامل الداخلية بالإقليمية يجعلان منه مساحة اختبار للرسائل المتبادلة، لا طرفًا في صياغتها.
لبنان لم يعد دولة على هامش الصراع، بل هامشًا بلا دولة.
خلاصة تحليلية
المشهد لا يتجه نحو حرب عالمية، لكنه دخل مرحلة أخطر: مرحلة اللايقين المنهجي، حيث تصبح التقديرات أكثر تأثيرًا من الوقائع، والانطباعات أكثر خطورة من النوايا.
يكفي خطأ واحد في الحسابات لإطلاق سلسلة تفاعلات لا يستطيع أحد إيقافها.
إنها لحظة اختبار توازنات… لا لحظة حسمها.
وصراع إرادات… أكثر منه صراع جيوش.
خاتمة
ليست المشكلة أن كل الخيارات مفتوحة، بل أن التاريخ نادرًا ما يختار الخيارات العقلانية.
فالأزمات الكبرى لا تنفجر حين تبلغ ذروتها، بل حين يعتقد كل طرف أنه نجح في ضبطها. عند تلك النقطة، يتحول الاستقرار الظاهري إلى هشاشة قصوى، ويصبح العالم أقرب إلى الانزلاق منه إلى التسوية.
قد لا تقع الحرب غدًا، وقد لا تقع أصلًا، لكن ما يتشكل هو بيئة استراتيجية جديدة قوامها التوتر الدائم:
لا سلام حقيقي… ولا حرب حاسمة… بل حالة وسطى تُدار فيها الصراعات بدل أن تُحل.
وفي مثل هذه البيئات، لا يكون السؤال: متى تبدأ الحرب؟
بل: كم من الوقت يمكن تأجيلها قبل أن يفرضها خطأ لم يكن في حساب أحد.











02/19/2026 - 11:45 AM





Comments