رشيد ج. مينا
الثورة حلمٌ لم يتحول إلى واقع في أيّ يوم من الأيام منذ نشأة لبنان حتى اليوم. ولو أنّ مصطلح "الثورة" لُبِّسَ لباس العصر تحت عنوان "التغيير" الذي أصبح قيد التداول، فإنّ ما شهده لبنان عبر تاريخه لا يمكن وصفه بالثورة بمعناها الحقيقي.
لقد عرف لبنان انتفاضات واعتراضات وتحركات وصراعات واحترابات، كما شهد حراكًا فكريًا وثقافيًا أخذ أشكالًا متعددة: اعتصامات، مظاهرات، مصادمات، وعنفًا وسقوط رصاص... لكنّ أياً من هذه لم يرتقِ إلى مستوى الثورة كما تُعرف في المفهوم السياسي والاجتماعي. فكلّ تحركٍ، مهما كانت شعاراته مطلبية أو إصلاحية، كان سرعان ما ينزلق نحو الطائفية أو المذهبية، فيُجهض قبل أن يتحول إلى حالة فاعلة جامعة.
وهذا ما حصل مع الانتفاضة وما سُمّي "ثورة 17 تشرين" عام 2019، التي بدأت كردّ فعل على زيادة الرسوم على استخدام تطبيق "واتساب"، ثمّ اتسعت لتشمل معظم المناطق اللبنانية. انجذب الناس إليها وهم يتوهمون أنّها بداية التحول من حلم الثورة إلى واقع التغيير.
لكن الحقيقة كانت في ما أرادته "الغرف السوداء" من خلف تلك التحركات:
استقالة الحكومة، تهريب الأموال إلى الخارج، انهيار العملة الوطنية والاقتصاد، اتساع الخناق على الناس، تغطية الفساد، وتضليل الشعب عبر شعارات برّاقة حرفت الأنظار عن جوهر الأزمة.
لقد تحقق بذلك ما ينسجم تمامًا مع أجندة الرأسمالية المتوحشة التي وجدت في الفوضى اللبنانية فرصةً لتكريس نفوذها. وسرعان ما خفتت التحركات وانسحبت منها قوى كثيرة بعد أن تحقّق المراد، ليتحوّل الحراك تدريجيًا إلى منحى طائفي ومذهبي يخدم قوى التحاصص والمقاولة والأجندات الخارجية، لا سيما الإيرانية.
وما الحرب التي سُمّيت بالإسناد، وما حملته من تدميرٍ وقتلٍ وخسائر، إلا استمرار لمسار التوظيف الذي يُراد للبنان أن يبقى أسيره، ساحةً دائمةً للصراع بالوكالة، وبما يخدم المخطط الامريكي، والصهيوني في السيطرة والتوسع ، وهو ما تؤكده كل المجريات.
إنّ الثورة أو التغيير الحقيقي لا يمكن أن يكونا إلا ثمرة تحرك وطني شامل، يعبر عن إرادة الشعب اللبنانية الخالصة، لا الطائفية ولا المذهبية ولا المناطقية أو المصالح السياسية الضيقة.
فمفهوم الثورة هو تغيير الواقع جذريًا والانتقال إلى واقعٍ جديدٍ يصبو إليه الشعب، واقعٍ تتحقق فيه الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة والمواطنة الحقة، والانتماء إلى لبنان الوطن لا لبنان الساحة.
لكن... مع هذا التنوع والانقسام الذي يطبع المشهد اللبناني، هل يمكن للثورة أن تجد طريقها فعلًا؟
الشعب اللبناني يملك من الحس الوطني والعربي ما يؤهله لتجاوز الانقسامات والانصهار في بوتقة وطنية واحدة، لو أُتيحت له الظروف والمعطيات التي تمكنه من التعبير عن إرادته الحرة واستعادة دوره الريادي في بناء الوطن ورسم مستقبلٍ يليق بتضحياته وتاريخه.
ما بين الحلم والواقع مسافة لم يُجتزها اللبنانيون بعد، لا لأنهم عاجزون، بل لأنّ منظومة الانقسام والطائفية ما زالت تحكمهم وتمنع عنهم لحظة الوعي الجماعي. لن تكون هناك ثورة حقيقية ما لم تولد من رحم الإرادة الوطنية الجامعة، بعيدًا عن الاستثمار والانقياد، نحو دولةٍ تُبنى بالناس وللناس.
ربما لم يعرف لبنان يومًا ثورةً مكتملة الأركان، لكنه لم يفقد بعد شرارة الحلم. فحين يلتقي اللبنانيون على وطنٍ لا على طائفة، وعلى مستقبلٍ لا على ماضٍ، عندها فقط تتحول الانتفاضة إلى ثورة، ويصير الحلم واقعًا يُكتب بعرق الشعب لا بدمائه.











02/19/2026 - 06:24 AM





Comments