* خمسون عامًا من الدوران في النفق ذاته…
لكنّ الإيمان بأنّ التغيير ممكن لا يزال في صدور من لم يساوموا على الوطن.
هذا المقال قراءة في واقع لبنان، بين الأمل والخذلان، بين الثورة الممكنة والتغيير المنشود، في وطنٍ تتنازعه الولاءات ويبحث أبناؤه عن ضوءٍ يخرجهم من ظلمة النفق الطويل.
رشيد ج. مينا
* هل من أمل في ثورة أو تغيير حقيقي في لبنان، هذا البلد الذي دخل نفق العام 1975 ولم يخرج منه حتى اليوم؟ رغم مروره بمحطات بدت في لحظاتٍ ما كأنها ومضات أمل ونور، إلا أنها سرعان ما تلاشت، ليبقى المسار مستمرًا في العتمة ذاتها.
السؤال اليوم لا يتصل فقط بجدوى الثورة، بل بإمكان قيامها أصلًا في وطنٍ بهذا القدر من التداخل والموزاييك الديني والسياسي والاجتماعي.
كيف يمكن التغيير في بلدٍ تتنازعه الولاءات والانشدادات إلى الخارج، حيث تسعى كل فئة إلى الاستقواء على الأخرى؟
لقد عرفت لبنان كل الأيديولوجيات والتيارات الفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من السلمية إلى العنف.
تعددت الأحزاب والجمعيات والنقابات والمنتديات، من القومية إلى الاشتراكية والرأسمالية، ومن الدينية والخيرية إلى الماسونية والروتاري والليونز...
ومع ذلك، لم يستطع أي تيار أو تشكيل أن يجسّد حركةً وطنيةً جامعة، تُعبّر عن تطلعات الشعب على امتداد الوطن. حتى العمل المقاوم ضد إسرائيل، الذي يفترض أن يكون عنوان الوحدة الوطنية، انتقل بين الطوائف والقوى إلى أن احتُكر، فتحوّل من وسيلة دفاع إلى أداة في خدمة الخارج، لا المصلحة الوطنية ولا قضية فلسطين.
فهل من تغييرٍ ممكن في لبنان؟ أم أن السؤال الأصح: هل ما زال في لبنان تغييريّون حقيقيون؟
لقد عبّر الشعب اللبناني عبر تاريخه عن حيويةٍ فائقة في دعم القضايا العربية، وفي مقدمتها فلسطين التي شكّلت بوصلة نضاله القومي. لكن أين هي هذه الحيوية حين يتعلق الأمر بالقضايا الوطنية الداخلية؟
لماذا تتحوّل كل قضيةٍ محقة، مهما اتسع التأييد الشعبي لها، إلى قضية خلافية تأخذ منحىً طائفيًا أو مذهبيًا أو مناطقيًا؟
هل السبب ضبابية في الهوية الوطنية، أم انقسام متجذّر في الوعي، أم أن البعض لم يستوعب بعد معنى لبنان الكبير منذ إعلانه؟
وأين هم المثقفون وأصحاب الفكر والعلم؟
أين الفكر الوطني الوحدوي العربي الذي يُعبّر عن إرادة الشعب الحقيقية، بعيدًا عن تلك الشعارات التي سقطت على محك التجارب أو أثبتت قصورها؟
إن التغيير في لبنان ممكن، ولكن بشروط.لابد أولًا من الخروج من النفق الذي نسير فيه منذ نصف قرن.
هويتنا الوطنية العربية راسخة ومتجذرة، ليست موضع نقاش. أما ما يحتاج إلى تغيير فهو الظروف والمعطيات:
التحرر من التبعية العمياء لطبقة المحاصصة السياسية التي شكّلت، وتشكل، العقبة الأكبر أمام أي إصلاح. ثم التحرر من التقوقع والخوف من الآخر — من الطائفة والمذهب والمنطقة — والانفتاح نحو رحاب الوطن الواحد:
ابن الشمال كابن الجنوب، وابن البقاع كابن الجبل، والساحل... الجميع لبنانيون، لهم الحقوق ذاتها وعليهم الواجبات ذاتها.
لقد دافع الجميع عن لبنان ودفعوا الثمن على مدى خمسين عامًا، ولا فضل لأحدٍ على أحد.
نعم، التغيير ممكن حين يمتلك الشعب الوعي، ويتحرر من الهيمنة، أميركية كانت أو إيرانية أو غيرها.
فالشعب اللبناني قادر على استعادة المبادرة والتعبير عن ذاته، وفرض إرادته وتطلعاته في بناء وطنٍ قائم على العدل والمساواة وتكافؤ الفرص. ومع أن التغيير الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع يبقى السبيل الأرقى، إلا أن قانون المحاصصة الطائفية يقف حائلًا دون التمثيل العادل والإرادة الحرة.
لذا، فإن الضغط الشعبي المشروع — عبر حركة وطنية صادقة، يقودها فكر تغييري نزيه، منقّى من الانتهازيين والوصوليين الذين خبرهم الناس — هو السبيل الواقعي إلى التغيير.
إن الشعب اللبناني مدعوّ اليوم إلى استثمار حيويته ونبضه في التغيير الداخلي، بنفس الزخم الذي عبّر به سابقًا عن مناصرة قضايا الأمة وفلسطين التي كانت، وستبقى، بوصلة الوعي والنضال.
نعم، التغيير في لبنان ليس حلمًا مستحيلاً، بل خيارًا وطنيًا وإرادة شعبية لا بد أن تتحول إلى فعل. فكما قاوم اللبنانيون العدوان والاحتلال، هم قادرون أيضًا على مقاومة الفساد والمحاصصة والتبعية، شرط أن يتحدوا حول مشروع وطني جامع، يعيد للوطن توازنه وللدولة معناها وللشعب ثقته بنفسه. لن يكون الطريق سهلاً، لكن النفق لا بد أن له مخرجًا، ومهما طال الليل فالفجر آتٍ. والتاريخ لا يرحم المتقاعسين، بل يكتب سطوره بأيدي أولئك الذين يؤمنون أن الأوطان لا تُبنى باليأس، بل بالوعي والعزيمة والإصرار على النهوض من بين الركام.











02/18/2026 - 12:32 PM





Comments