الواقع اللبناني بين لبّ الحقيقة والقشور الخادعة

02/17/2026 - 10:59 AM

Atlantic home care

 

 

رشيد ج. مينا

كثيرون يتناولون الواقع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي في لبنان من زاوية سطحية خادعة، ينظرون إلى امتلاء المقاهي والمطاعم، وإلى نسب الإشغال في الفنادق، وعدد المسافرين عبر مطار بيروت، وحركة المرفأ، والتحويلات المالية التي تصل إلى البلاد، فيظنون أن البلد بخير. ويزيد الخداع حين تُقدَّم هذه المظاهر في بعض التقارير على أنها مؤشرات لتعافٍ اقتصادي أو بوادر بحبوحة، بينما الحقيقة أن ما نراه ليس سوى قشور تخفي تحتها واقعًا مريرًا.

أي بحبوحة تلك والحد الأدنى للأجور لا يتجاوز 28 مليون ل.ل اي ما يعادل 312 دولار امريكي؟ وأي إصلاح ومكافحة للفساد والدولة لا تجد سوى المواطن لتُثقل كاهله بالضرائب والرسوم؟ من رسوم الكهرباء التي تُدفع كاملة رغم انقطاعها أكثر مما تعمل، إلى رسوم المياه والسجل العدلي والعقاري وتسجيل السيارات والقيمة المضافة والجمارك والبلديات، والكثير غيرها، وصولًا إلى الخدمات التي تُدار عبر شركات خاصة بأسعار باهظة، كـ"ليبان بوست" وغيرها.

كل ذلك والمواطن اللبناني يتحمّل وحده أعباء المعيشة والتعليم والطبابة والسكن والمواصلات، فيما الدولة تتنصل من مسؤولياتها وتكتفي ببرامج متقطعة تحت عناوين المساعدات الاجتماعية، أو عبر الجمعيات والمنظمات الدولية التي تتعامل مع الشعب اللبناني كمتسوّل ومحتاج، لا كصاحب حق.

ويخرج من بين أركان السلطة من يتحدث عن الحركة في الأسواق، وعن مقاهٍ مكتظة ومطار مزدحم، وكأن ذلك معيار للرخاء! هؤلاء أنفسهم من قالوا يومًا إن “الليرة بخير”، ثم تركوا الناس تغرق مع سفينتهم. تتبدّل العهود والحكومات، وتبقى معاناة اللبنانيين ثابتة بل تتعمّق، ويزداد الواقع تعقيدًا وسوادًا.

ليتهم يغوصون قليلًا في عمق الحياة اليومية للبنانيين، ليروا بؤس التعليم الذي يُقصي آلاف الأطفال بسبب الكلفة، وواقع الطبابة الذي يترك المرضى يتألمون لعدم القدرة على شراء الدواء أو دخول المستشفى، وأوضاع السكن المزرية التي يعيشها كثيرون في أماكن لا تليق بالبشر.

أيها الطبقة الحاكمة، الواقع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان أسوأ مما يُقال أو يُكتب، ولو عاش أي شعب آخر نصف ما نعيشه لتفجّرت ثوراته وأسقطت سلطاته. عن أي “لبنان بخير” تتحدثون؟ عن أي “أمل”؟ وأي “مجتمع مقاوم” يمكن أن يبنى على الجوع والذل؟

كيف لشعبٍ أنهكه الفقر والخداع والتعب، وزُجّ في معارك الطوائف والمذاهب وحروب الوكالة عن الآخرين، أن يثور أو يغيّر، وقد دفنتموه في نفقٍ مظلم منذ خمسين عامًا؟

ليست الحقيقة كما تروّجون، فغالبية اللبنانيين اليوم يعيشون في فقرٍ منهك وفقدانٍ للأمان الاجتماعي، بلا حضنٍ وطني يحميهم. السلطة ما زالت تدور في حلقة المحاصصة والفساد، تتبادل المواقع والأدوار دون محاسبة ولا نتائج إصلاحية حقيقية، فيما حياة الناس تزداد سوءًا وضيقًا.

إن الشعب اللبناني مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة وعيه ووحدته، وإلى التحرّك المنظّم من خارج أطر الطائفية والمذهبية التي دمّرت البلد ونهبت مقدراته. فلبنان يحتاج إلى حركة وطنية شعبية تغييرية حقيقية، لا شكلية ولا انتهازية، لا تسعى إلى فتات سلطة أو مقعد نيابي أو حقيبة وزارية، بل تسعى إلى تغيير جذري يُعيد بناء الدولة ومؤسساتها على أسس من العدالة والمواطنة وتكافؤ الفرص.

إن الواقع الذي نعيشه اليوم لم يعد يحتمل تجميلًا ولا تبريرًا. فقد بلغ الانهيار حدًّا لم يعد معه السكوت خيارًا ولا الانتظار أملًا. إن التغيير في لبنان لم يعد ترفًا سياسيًا أو شعارًا موسميًا، بل بات واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا لإنقاذ ما تبقّى من وطنٍ يتآكله الفساد والتبعية.

آن الأوان أن يستعيد الشعب زمام المبادرة، أن ينهض بوعيه ووحدته، وأن يقول كلمته الفصل:

لن تُدار حياتنا بعد اليوم على إيقاع الطوائف والمحاصصات، بل على إيقاع الكرامة والعدالة والمواطنة الحقة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment