رشيد ج. مينا
يُكثر الحديث اليوم عن ضرورة الثورة أو التغيير، حتى أصبح مصطلح "التغيير" هو التعبير الدارج لما كان يُعرف يومًا بالثورة، بعدما جرى تشويه مفهومها وربطها بالعنف والإرهاب. هذا الربط لم يكن بريئًا، بل مقصودًا لضرب الثورات، وحرفها عن أهدافها، وتشتيت قواها، وخلق هوة سحيقة بين من يدعون إليها والجماهير التي يؤمل أن تتحرك. تحولت الثورة إلى كلمة منبوذة، فيما بات "التغيير" عنوانًا مخففًا للرفض والتمرّد على واقع ظالم وسلطات متسلطة تحكم باسم الشعب لا بأمره.
في لبنان، كما في كثير من الدول التي تعيش الصراع والاحتقان والانقسام، يُستحضر الحديث عن التغيير كحاجة، لا كخيار. فلبنان، العربي الهوية والانتماء، الذي كان دائمًا في طليعة من ناصروا قضايا الحق والعدل، يظلّ حالة فريدة بتعقيداته، إذ مرّت به كل الإيديولوجيات العالمية، وتصارعت على أرضه القوى الكبرى والإقليمية، وتحول إلى ساحة للحروب بالوكالة وصراعات النفوذ، بين إسرائيل وإيران، وإن اختلفت الشعارات بين “الحق الفلسطيني” و”الأمن الإسرائيلي”.
لقد كان لبنان من أكثر الساحات العربية تفاعلًا مع القضية الفلسطينية ومواجهة إسرائيل، لا سيما قبل أن تُحتكر المقاومة وتتحول إلى أداة تخدم مصالح الخارج. واليوم، يعود السؤال من جديد:
أين هو التغيير الذي ينادي به الجميع؟
في لبنان، الكلّ يتحدث عن التغيير: ثوريون ومقاومون، إقطاعيون وتقدميون، يساريون ورأسماليون، حزبيون ومستقلون، نقابيون ومجتمع مدني، قوميون ووطنيون... لكن لم يقرن أحد القول بالفعل. لم يحدثنا أحد عن الآلية الواقعية لتحقيق التغيير، ولا عن الخطوات التي تمكّن الشعب من استعادته لقراره.
يقول البعض إن التغيير يكون عبر الآليات الديمقراطية والانتخابات. لكن، كيف يمكن أن يتحقق ذلك في ظل قانون انتخاب مفصّل على قياس الطبقة المتحاصصة؟ كيف لمواطن مرتهن لقمة عيشه لزعيم أو مرجع أن يمارس حرّيته في الاختيار؟ وكيف يُنتظر من مجتمعٍ تتحكم فيه العصبيات الطائفية والمذهبية أن ينتج تغييرًا حقيقيًا؟
ويقول آخرون إن التغيير يأتي عبر التحركات الشعبية، لكن أي تحرك سرعان ما يُختزل طائفيًا أو مذهبيًا، فيضيع معناه وهدفه. فلبنان بلد الموزاييك السياسي والطائفي، تتحكم فيه شبكة من القوى الاقتصادية والسياسية التي تتقاسم النفوذ والمال والبشر، وتجعل من أي حراكٍ صادق فرصةً أخرى لإعادة إنتاج ذات المنظومة. لذلك، فإن الحديث عن التغيير دون آليات واضحة هو ترف فكري لا أكثر.
أما التغيير الحقيقي، وبعد خمسين عامًا من التجارب والخيبات، فلا يكون إلا بإزاحة الطبقة الحاكمة بأكملها، بكل تسمياتها وأقنعتها، لأنها أصل الداء ومصدر الانهيار.
إن طريق التغيير في لبنان لا يمكن أن يُشق إلا عبر حركة شعبية وطنية وحدوية، منبثقة من الأرض، متحررة من الولاءات الطائفية والمذهبية، تعبّر بصدق عن طموحات اللبنانيين، وتسعى لبناء دولة المؤسسات والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
حركة لا تهادن، بل تعمل وفق الوسائل الديمقراطية الحقيقية، لبلوغ تحوّل وطني شامل يعيد للشعب قراره، وللوطن كرامته، وللدولة معناها.
إن التغيير في لبنان لن يولد من رحم الشعارات، ولا من صناديق اقتراع تُدار بالمال والعصبيات، بل من وعيٍ شعبيٍّ حرٍّ يقرر كسر القيود ورفض الوصايات، ومن إرادة وطنية تجمع ولا تفرّق، تُعيد للوطن وجهه الحقيقي، دولةً للحق والعدل والكرامة.











02/16/2026 - 19:53 PM





Comments