أزمة البنية لا أزمة الشعارات… الأيديولوجيات سقطت على محكّ الممارسة.

02/16/2026 - 04:06 AM

Atlantic home care

 

 

 رشيد ج. مينا

 

ماذا تغيّر بين الأمس واليوم؟

ما النقلة التي حدثت في الوعي الجمعي، في السلوك الاجتماعي والفكري والتنظيمي؟

كان الأمس مليئًا بالحماسة والنضال. الآمال كبيرة، والبوصلة واضحة: محاربة الاستعمار والصهيونية، تحرير الأرض والإرادة، إسقاط الأنظمة وريثة الاستعمار، مواجهة الظلم الاجتماعي، كسر الإقطاع، وبناء نظم وطنية مستقلة. ارتفعت رايات القومية، والمشاريع الوحدوية، والتيارات الدينية، وازدهرت الأيديولوجيات والشعارات الكبرى. تشكلت أحزاب وتنظيمات، وبرز قادة وصلوا إلى السلطة، واعتُقد أن زمن النهضة قد بدأ.

لكن بعد عقود من التجارب، ماذا تحقق؟

أين هي الأمة من شعارات التحرر؟

أين فلسطين من مركزية القرار؟

أين العدالة الاجتماعية والمساواة؟

أين الديمقراطية والحريات العامة؟

وأين حال المواطن العربي في وطنه؟

لبنان قد يكون المرآة الأوضح لهذا المسار. انتقلت إليه كل الأفكار من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومعها التيارات الدينية بكل أطيافها. الجميع رفع شعارات الحرية والتحرير والوحدة والنضال ضد الطغيان والصهيونية. شهد الشارع اللبناني تحركات واسعة دفاعًا عن قضايا العرب وفلسطين وقضايا التحرر في العالم.

لكن ما إن دخل لبنان النفق منذ عقود، حتى تم الفرز على أسس طائفية ومذهبية، وخيضت الحروب بين المناطق، ورُسمت خطوط تماس لم يتجاوزها أحد فعليًا. وكان للدخول السوري وهيمنة النظام آنذاك تبعات كبرى، في ظل خطوط تقاسم نفوذ تداخلت مع الحسابات الإسرائيلية، حيث وجدت إسرائيل في الانقسام اللبناني فرصة استثمارية دائمة، واستفادت من حال التشرذم لتثبيت معادلات تخدم مصالحها الأمنية والسياسية. تكرّست التدخلات الخارجية، وتعمّقت التبعيات، وتحول لبنان من وطن إلى ساحة صراع وتصفية حسابات وتبادل رسائل.

غير أن العامل الخارجي، على خطورته، لم يكن وحده سبب الانهيار. فالمشكلة الأعمق كانت في هشاشة البنى الحزبية والتنظيمية ذاتها، التي لم تصمد أمام الاختبار. تكاثرت الأحزاب إلى درجة صار لكل منطقة أو طائفة أو شارع تشكيله. هل هذا انعكاس لحرية سياسية صحية؟ أم تعبير عن أزمة مجتمع وغياب رؤية جامعة؟

التشرذم لا يبني وحدة، والكثرة لا تعني الفاعلية.

الأخطر أن الأحزاب نفسها تشظّت. تنظيمات تتبنى الفكر ذاته انقسمت، وجمعيات تحمل الشعارات نفسها تناحرت. أصبحت الشخصنة والـ«أنا» والتوريث سلوكًا غالبًا. الانتماء بات للشخص لا للمبدأ، وللعائلة لا للبرنامج، وللطائفة لا للمشروع.

نرفع شعار الديمقراطية ونمارس القمع داخل التنظيم.

نتحدث عن العدالة ونكرّس الفوارق.

ندعو إلى التغيير ونرسّخ التوريث.

نعلن مبادئ ونمارس عكسها.

هنا تكمن الأزمة الحقيقية:

هوّة بين الشعار والممارسة، بين النظرية والتطبيق.

العمل الحزبي والتنظيمي ضرورة لا ترف، لأن هدفه الأساس الإنسان والمجتمع وبناء حاضر ومستقبل تسوده الحرية والكرامة والعدالة. لكن هذا يفترض بنية مؤسسية ديمقراطية، وثقافة داخلية تحترم الاختلاف، وتربية سياسية حقيقية تبني وعيًا لا تبعية.

من دون مؤسسات، تتحول الشعارات إلى خطابات.

ومن دون ممارسة ديمقراطية داخلية، يصبح الحزب نسخة مصغّرة عن السلطة التي يدّعي معارضتها.

ومن دون رؤية فكرية واضحة، يصبح التنقل بين اليمين واليسار تفصيلًا لا يثير حرجًا.

المشكلة لم تكن في الحلم ذاته، ولا في العناوين الكبرى، بل في البنية التي حملتها. فحين تكون البنية هشّة، تنهار تحت أول اختبار داخلي أو ضغط خارجي. وحين يغيب الانسجام بين القول والفعل، تسقط الأيديولوجيا على محكّ الممارسة.

لم تسقط الشعارات لأنها بلا قيمة،

بل لأن البنية التي حملتها كانت هشّة، والممارسة ناقضت المبدأ.

بين النظرية والتطبيق هوّة،

وفي هذه الهوّة سقطت الأيديولوجيات، وتبدّد الحلم.

فلا نهضة بلا مؤسسات،

ولا حرية بلا ممارسة،

ولا وحدة بلا وعي يسبق الشعار ويوازيه.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment