رشيد ج. مينا
لا يبدو في الأفق ما يشير إلى نهاية قريبة للنفق الذي أُدخل فيه لبنان منذ عقود، بما يعيده وطنًا لا يُبقيه ساحة صراع.
كل ما يجري من تحركات، وما يُعلَن من مواقف وتصريحات، لا يغادر في حقيقته إطار إدارة الأزمة، لا الانتقال إلى معالجتها جذريًا.
من يقرأ المشهد بوعي يدرك أن الدعم والزخم العربي والدولي الذي رافق انتخاب رئيس جديد بعد فراغ طويل، وتشكيل حكومة جامعة للأطراف المتصارعة والمنتمية إلى محورين قسما لبنان عموديًا، لم يتجاوز حدود إعادة ضبط خطوط التوازن التي فرضتها نتائج الحرب على غزة ولبنان. هو تثبيت مؤقت للواقع، لا تأسيس لمسار حل.
الواقع اللبناني لا يسير باتجاه حل قريب كما يأمل اللبنانيون، على اختلاف طوائفهم ومكوّناتهم. فاستقرار لبنان وخروجه من موقع الساحة إلى موقع الدولة لا يمكن أن يتحقق من خلال تسويات ظرفية، بل يبدأ بعودة الجميع إلى الوطنية اللبنانية والعمق العربي، ومغادرة كل أشكال الارتباطات التبعية للخارج، ووضع مصلحة لبنان وحق شعبه فوق كل الأجندات.
أليس من حق الشعب اللبناني، بعد كل المعاناة التي عاشها على مدى عقود، أن يخرج من هذا النفق؟
أليس من حقه أن يرفض الإملاءات والشروط الخارجية المتناقضة مع مصالحه؟
إن الدعم العربي الحقيقي هو الأساس في تحييد لبنان عن صراعات إقليمية كبرى لا طاقة له على تحملها.
لبنان الذي أثبت عبر تاريخه انحيازه لقضايا العرب والحرية والديمقراطية، وفي مقدمتها قضية فلسطين، ينتظر دعمًا ورعاية حقيقيين يخرجان به من دائرة الاستنزاف إلى دائرة البناء. غير أن الصورة أعقد من ذلك.
فلبنان لا يزال يُربط قسرًا بكل ما يُخطط له على صعيد التوازنات الإسرائيلية–الأميركية–الإيرانية، وكذلك في سياق المسار العربي–الإسرائيلي، من مشاريع «مجلس السلام» إلى «الاتفاقات الإبراهيمية»، مرورًا بالمناطق العازلة والاقتصادية، وتحديد الأدوار الإقليمية لكل من تركيا وإيران وإسرائيل، في ظل غياب أو تغييب واضح لدور عربي فاعل ومؤثر. وفي هذا المشهد المتشابك، يصبح لبنان جزءًا من معادلات الآخرين، لا صاحب قرار في تقرير مصيره.
إن الخروج الحقيقي من النفق لا يتحقق إلا ببناء دولة المواطن والمؤسسات، وسيادة مبسوطة عبر القوى العسكرية والأمنية الشرعية وحدها، ووقف العدوان الإسرائيلي وتحرير المناطق المحتلة، وتنفيذ الالتزامات الدولية من موقع السيادة لا الارتهان.
كما يتطلب دعمًا عربيًا ودوليًا جديًا لمحاسبة كل من نهب المال العام وأسـاء استعمال السلطة، لأن الإصلاح من دون مساءلة يبقى شعارًا، ومكافحة الفساد من دون محاسبة تبقى استخدامًا شعبويًا للخطاب.
لبنان اليوم أمام مفترق واضح: إما أن يبقى رهينة توازنات الخارج وإدارة الأزمات، وإما أن يستعيد قراره، ويعيد بناء دولته، ويعود وطنًا. ولا يمكن الجمع بين الخيارين.











02/15/2026 - 10:12 AM





Comments