رسالة الاحتلال السياسية لشعبنا في الداخل الفلسطيني: أمنكم ليس أولوية

02/14/2026 - 10:41 AM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم: راسم عبيدات

الجريمة والعنف لا يتصاعدان إلا عندما يكون هناك فراغ، وتغذية لاستمرار وجود هذا الفراغ، وبيئة تسمح بتمدده، وإبقاء المجتمع في حالة من الاستنزاف الدائم، ليس فقط بهدف الإبادة الاجتماعية وتفكيك النسيجين المجتمعي والوطني لشعبنا هناك، بل ما هو أبعد من ذلك، حيث مشاريع الطرد والتهجير وتغيير الواقع الديمغرافي، ومنع تشكّل أقلية قومية عربية لها خصائصها الوطنية والثقافية. فنظرة دولة الاحتلال بمؤسساتها وحكوماتها لشعبنا هناك، على أنهم "غدة سرطانية" يجب التخلص منها، على اعتبار أن أبناء شعبنا الفلسطيني هناك، في أي مواجهة قادمة قد تندلع وعلى أكثر من جبهة، هم الخطر الأكبر على دولة الاحتلال، لكونهم موجودين ويحفرون في قلب تلك الدولة. ولذلك نشهد مشاريع استيطانية وتهويدية يُعاد طرحها من جديد، وما يجري بحق عرب النقب يكشف طبيعة وخطورة هذه المخططات والمشاريع والأهداف التهويدية.

الجريمة والعنف اللتان تصاعدتا بشكل غير مسبوق في الداخل الفلسطيني – 48 – خاصة بعد هبّة السابع من أكتوبر/2000، جعلت صُنّاع القرار في دولة الاحتلال يصيغون رؤاهم واستراتيجياتهم على أسس، ليس فقط الهندسة "الديمغرافية" لشعبنا هناك عبر تفكيك النسيجين الوطني والمجتمعي، بل اعتماد سياسة تقوم على أساس دفع جزء ليس بالبسيط من السكان إلى الهجرة ومغادرة أرضهم.

في ظل تنامي وتصاعد الجريمة، والتي يدرك أبناء شعبنا بأن هناك من يعمل على استمرار "مرجلها" في الغليان والتصاعد، لحرف أنظار جماهير شعبنا عن التفرغ للمطالبة بحقوقهم السياسية والوطنية والاقتصادية والاجتماعية، بالانشغال في كيفية حماية وجودهم من هذا العنف المتصاعد والجريمة التي تُدار وتُدعم ويجري التستر عليها من قبل أطراف خارجية، ويجري تنفيذها بأدوات محلية توفر لها الحماية وعدم الملاحقة وحتى الاعتقال والمحاكمة، فهذه ليست أولوية سياسية لدولة الاحتلال.

تصاعد الجريمة وتنامي العنف في مجتمعنا الفلسطيني – 48 – والذي علّق عليه المتطرف الوزير عميحاي إلياهو بالقول: "إن العرب يقتلون بعضهم البعض"، هذا المتطرف الذي دعا إلى قصف قطاع غزة بالقنابل النووية ومحوها عن الوجود، هو واحد ممن يغذّون العنف والجريمة في مجتمعنا العربي.

تحركت الجماهير العربية والشعبية والقيادات السياسية على ضوء هذا التصاعد الكبير في تلك الجرائم والعنف، والتي بلغت أكثر من 252 جريمة قتل في عام 2025. هذا التحرك شكّل تحولًا كبيرًا في كيفية التصدي لتلك الجرائم والعنف، عبر سلسلة متواصلة من المسيرات والمظاهرات والاحتجاجات الشعبية والاعتصامات في الساحات والميادين، حتى قبالة "كنيست" الاحتلال ومقر رئيس وزرائه. وقد شكّل ذلك تحديًا كبيرًا لدولة الاحتلال ولعصابات الإجرام المنظم، والتي رأت بأن عليها أن تثبت بأن كل هذه الأشكال من النضال الشعبي والسياسي والمجتمعي من أجل اقتلاعهم وتوفير الأمن والاستقرار للمدن والقرى العربية لن يجد نفعًا.

فالمشروع والمخطط أكبر وأبعد من تلك العصابات التي تُوظّف لخدمة مشاريع سياسية لدولة الاحتلال. ولذلك شهدنا أن تلك الجرائم منذ بداية هذا العام وصلت إلى 43 جريمة، وبالتالي المطلوب خلق حالة من اليأس والإحباط وفقدان الثقة بين الجماهير العربية هناك، ووضعها أمام خيارات صعبة: إما أن تنحني وتستجيب لمطالب تلك العصابات الإجرامية والمافيات، أو أن تذهب إلى طلب الحماية من دولة الاحتلال، أو التوجه نحو الخلاص الفردي بالهجرة وترك أرضها وممتلكاتها.

دولة الاحتلال، إذا ما حدثت عملية في الداخل الفلسطيني – 48 – ونفذها أي فلسطيني من الضفة الغربية أو القدس أو الداخل الفلسطيني كردّ فعل على جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، تستنفر كل أجهزتها الأمنية والاستخبارية وجيشها من أجل إلقاء القبض على المنفذ/ين. في حين أن ما يجري من جرائم وعنف بحق شعبنا، يمارسه إجرام منظم يجري مده بالسلاح والمال الأسود، فهذا يجري غضّ الطرف عنه وعدم ملاحقته، تحقيقًا لقول المتطرف الوزير عميحاي إلياهو: "عرب يقتلون بعضهم البعض"، وهذا يصب في مصلحتنا ولا يشكل عبئًا علينا، فهو واحد من أهدافنا: تفكيك المجتمع الفلسطيني.

الإجرام المنظم لا يمكن أن ينشأ أو يتحرك في فراغ، ويصبح متجذرًا ومتسيدًا دون بيئة ترعاه وتسمح له بالتمدد، كما حال الفساد المستشري في السلطة الفلسطينية، والذي يطال مفاصلها ومؤسساتها ويجد له حواضن في قمة هرمها السياسي والأمني.

ترك القرى والبلدات الفلسطينية في الداخل الفلسطيني بدون حماية هو مقصود، وقوات الاحتلال لا تحضر لتلك المدن والبلدات إلا عندما تريد قمع جماهير شعبنا على خلفية مسيرات أو مظاهرات احتجاجية ضد سياسات وممارسات الاحتلال القمعية والتنكيلية بحق شعبنا أو أسراه.

هذه القوات وهذا الجيش لا يفرضان قوانينهما على شبكات السلاح والمال الأسود الذي يغذي ويمول عصابات الإجرام المنظم، والرسالة واضحة لشعبنا: أمنكم ليس أولوياتنا.

الحرب التي تُشن على شعبنا الفلسطيني – 48 – عبر الفوضى والسلاح والدم، لا تختلف عن حرب الاقتلاع والطرد والتهجير التي تُشن على شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس بقوة السلاح وجرائم المستوطنين.

هي حرب يُراد منها "تطويع" عقل شعبنا في – 48 – ليعتاد على هذا الواقع ويتعايش معه. ولذلك من الضروري التمرد على هذا الواقع، واقع حرب استنزاف بطيئة وإبادة اجتماعية. والموقف السياسي الواجب اليوم لا يكتفي بإدانة القتل، بل يضع الإصبع على أصل المشكلة: مسؤولية دولة الاحتلال المباشرة عن تفشي السلاح والجريمة، وضرورة تنظيم مجتمعنا سياسيًا وميدانيًا لانتزاع حقه في الحياة والأمان.

فلسطين – القدس المحتلة

[email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment