مخدرات السموم... ومخدرات السياسة

02/14/2026 - 10:37 AM

Prestige Jewelry

 

 

 

رشيد ج. مينا

المخدرات هي مواد كيميائية أو طبيعية تُحدث تغييرات في وظائف الجسم والعقل، وتؤثر على الجهاز العصبي المركزي، مما يسبب الإدمان والعديد من الأضرار الجسيمة على الفرد والمجتمع. وتنقسم إلى عدة فئات رئيسية وفق تأثيرها، غير أن أخطرها هو ما اجتاح لبنان في السنوات الأخيرة، حيث طالت أضرارها العديد من الشباب والشابات من مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية.

الرخيص من أنواعها، والأكثر ضررًا، تغلغل في أوساط الطبقات الشعبية والأكثر فقرًا. وكثيرًا ما يُعزى ذلك إلى الفقر والبطالة والتسرّب المدرسي، لكنّ الحقيقة أوسع وأعمق من ذلك. فوفق ما يُعلَن عنه من مداهمات وكشف لمعامل تصنيع وعمليات تهريب ضخمة، يتضح أنّ هذه التجارة باتت صناعة متكاملة مرتبطة بتمويل منظمات وأحزاب وقوى عسكرية ومجموعات إرهابية. وكأنّ تجارة السموم أصبحت بديلًا عن الدعم والتمويل السياسي الخارجي المباشر.

إنّ موضوع المخدرات — صناعةً وتجارةً وتعاطيًا وإدمانًا — أكبر من أن يُختصر في تقارير محدودة أو حملات توعية متفرقة. إنه ملف وطني بامتياز، يحتاج إلى أكثر من متابعة من جمعيات مختصة أو مبادرات توجيهية؛ بل إلى سياسة دولة واضحة في المكافحة والعلاج والوقاية.

ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن المخدرات من دون الإشارة إلى نوعٍ آخر من التخدير لا يقل خطرًا، بل يتفوّق أثره عمقًا واستمرارية، وهو تخدير الوعود السياسية والاقتصادية. تلك الوعود التي أطلقها الطامحون للمناصب والمراكز منذ عقود، فكانت سببًا في إحباط الناس جيلًا بعد جيل، ولا سيما الشباب.

هذه الوعود الكاذبة دمّرت الثقة، وولّدت شعورًا عامًا باليأس، حتى تحوّل الكثير من الناس إلى أتباعٍ وتابعين، مجرّد أرقام في حسابات هذا السياسي أو ذاك المتسلّط، بينما لجأ آخرون إلى المخدرات الحقيقية كوسيلة للهروب من واقعٍ صنعه فسادُ السياسة وغيابُ العدالة وانعدامُ الأمل.

إنّ التخدير الذي صنعته الطبقة السياسية المتحكمة بالسلطة، ومن ورائها تحالف المحاصصة والمصالح والمال الأسود، لا يقلّ خطرًا عن مخدرات السموم، بل هو أحد الأسباب المباشرة لانزلاق البعض إلى التعاطي الحقيقي، بعدما غُيّبت روح المواطنة ومفاهيم الدولة والقانون.

مواجهة هذه الآفة تتطلّب جهدًا وطنيًا صادقًا على كل المستويات:

إجراءات صارمة في مكافحة الصناعة والتجارة والترويج، وإنشاء مراكز علاج وتأهيل كافية في كل المناطق، وتفعيل الرقابة والقوانين، إلى جانب برامج توعية حقيقية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام. لكن قبل ذلك، نحتاج إلى إرادة سياسية نزيهة تُعيد الثقة بالوطن وتؤسس لوعي جماعي جديد.

وعيٌ قبل دواء، وثورة قبل شفاء

إن معركة لبنان ضد المخدرات تبدأ من استعادة الوعي قبل استعادة الأمن، ومن كسر قيود التبعية قبل كسر الحبوب. فالوطن الذي يُشفى من وهم السياسة أولًا، هو وحده القادر على إنقاذ أبنائه من كل أنواع الإدمان.

إنّ أخطر أنواع الإدمان هو إدمان الخضوع، وأقسى أنواع المخدرات هي تلك التي تُباع في خطابات الزعماء وأوهام السياسة. فلبنان لن يُشفى من سموم المخدرات ما لم يتحرر أولًا من تجار الوهم، ولن ينهض من كبوته إلا حين يستعيد شبابه وعيهم، وإيمانهم بأن التغيير لا يُستورد ولا يُمنَح، بل يُصنع بيدٍ واعية وقرارٍ وطنيّ حرّ.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment