الصور الخافتة، الرسائل الحذرة، وتباين التغطيات الإعلامية تشير إلى أن لقاء ترامب–نتنياهو ترك أسئلة أساسية بلا إجابات حول استراتيجية التعامل مع إيران؛ صمتٌ يحمل دلالات إقليمية واضحة.
بقلم شربل عبد الله أنطون
الاجتماعات الدبلوماسية رفيعة المستوى تكشف أحياناً بقدر ما تُخفي. اللقاء الأخير بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يُفترض أن يقدّم وضوحاً في لحظة يتصاعد فيها التوتر الإقليمي. لكن غياب مؤتمر صحافي مشترك، والنبرة المحسوبة في التصريحات اللاحقة، وردود الفعل الحذرة في الإعلام الإسرائيلي، كلّها أثارت تساؤلات حول ما إذا كان الطرفان قد توصّلا فعلاً إلى مقاربة مشتركة تجاه إيران.
في الدبلوماسية، الإخراج جزء من الرسالة. المؤتمرات الصحافية المشتركة ليست تفصيلاً بروتوكولياً؛ بل أداة لإظهار وحدة الموقف أو سردية متماسكة. وغيابها غالباً ما يعكس فجوات غير محسومة أو رغبة في تجنّب إعلان موقف لا يشعر أي من الطرفين بالارتياح لتبنّيه علناً.
والتصريحات التي صدرت بعد هذا اللقاء جاءت بدورها خافتة. اللغة خلت من العبارات التقليدية التي تشير عادة إلى انسجام، فلا حديث عن "شراكة تاريخية"، ولا عن "استراتيجية مشتركة"، ولا عن التزامات مستقبلية واضحة. فالنبرة كانت إجرائية أكثر منها سياسية. وفي ظل القلق المتزايد من نشاطات إيران في المنطقة، بدا غياب رسالة قوية وموحّدة أمراً لافتاً.
التغطية الإعلامية الإسرائيلية عزّزت هذا الانطباع. صحفٌ بارزة مثل هآرتس ويديعوت أحرونوت ومعاريف ركّزت على غياب النتائج الملموسة، ووصفت اللقاء بأنه محدود المخرجات أو النتائج. حتى وسائل الإعلام اليمينية أو المقرّبة من الحكومة تجنّبت تصوير اللقاء كنجاح استراتيجي. المحلّلون الأمنيون كانوا الأكثر وضوحاً: لا موقف موحّداً تجاه إيران، ولغة الجسد الدبلوماسية أقرب إلى الحذر منها إلى الانسجام. وعلى وسائل التواصل، كانت التعليقات السياسية أكثر مباشرة، معتبرة أن اللقاء لم يلبِّ التوقعات.
مع ذلك، لا يعني هذا أن اللقاء كان بلا مضمون خلف الأبواب المغلقة. الدبلوماسية غالباً ما تتقدّم على مراحل، وليس كل اجتماع مخصصاً لإنتاج بيان فوري. لكن في منطقة تُقرأ فيها الإشارات بدقة، ويُبنى فيها سلوك الخصوم على أساس مدى الانسجام بين القوى الكبرى، يصبح الغموض مخاطرة بحد ذاته. وعندما يظهر طرفان أساسيان وكأنهما غير متوافقين تماماً، ولو بشكل طفيف، يزداد احتمال سوء التقدير.
وهذا ينطبق تحديداً على ملف إيران. البيئة الاستراتيجية متوترة، والرهانات مرتفعة. وفي مثل هذه اللحظات، الوضوح ليس ترفاً؛ بل عنصر استقرار. وعندما تكون الرسائل العلنية محدودة، والمؤشرات التقليدية على وحدة الموقف غائبة، يصبح من الطبيعي التساؤل عمّا إذا كانت هناك اختلافات لا تزال قيد المعالجة، في الأولويات أو التوقيت أو الأسلوب.
أهمية لقاء ترامب–نتنياهو، إذاً، ليست فيما قيل، بل فيما لم يُقَل. الصمت، غياب المؤتمر الصحافي، وردود الفعل الحذرة، كلها تشير إلى أن التفاهم حول استراتيجية التعامل مع إيران ما زال غير مكتمل. هذا لا يعني فشلاً، لكنه يسلّط الضوء على ضرورة استمرار التنسيق، وعلى الحاجة إلى رسائل واضحة في وقت تراقب فيه المنطقة عن كثب.
في الدبلوماسية، قد يصبح غياب الرسالة هو الرسالة. وفي ملف إيران، الرسالة واضحة: النقاش لم يُحسَم بعد، لكن ذلك لا يعني لا حرب، بل قد يعني لا سلم.











02/13/2026 - 19:08 PM





Comments