لشبونة – ألفة السلامي
رغم زيارتي السابقة للبرتغال، إلا أن قصة عشقي لهذا البلد، موقعا وثقافة وشعبا، ترسخت هذه المرة أكثر واكتسب الانطباع السابق أكثر من دليل، حيث رأيت لوحة بديعة مكتملة للبرتغال ما بين الجمال الطبيعي والمزارات التراثية والدفء الإنساني، حتى خلتها "الاستثناء الأوروبي" في زمن انغلاق القارة القديمة. لا شك أن الشخصية البرتغالية والنخبة المثقفة يعود إليها الفضل الكبير في جعل هذا البلد ملاذا دافئاً بالمشاعر لكل زائر، إضافة إلى ما يضفيه الجمال الجغرافي من جاذبية. وكما يقول المثل الشعبي "الدنيا من غير ناس ما تنداس"، بمعنى أن العنصر البشري هو ما يعظم مزايا التجربة ويجعلها ثرية وراسخة في الذاكرة مع الشعور بالأمان وانخفاض معدل الجريمة.

"موزاييك" برتغالي دون تعصب
من الملامح التي يشعر بها الزائر أن البرتغاليين يحاولون بشدة الحفاظ على الهوية الفريدة والسلوك المرن ضد اليمين المتطرف والعنصرية التي تنخر نخرا أرجاء القارة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة. ويتجلى ذلك بشكل واضح في تعامل البرتغال مع المهاجر، حيث لا تطلب منه التخلي عن هويته، بل تدعوه لإضافتها إلى "الموزاييك" البرتغالي، مما خلق مجتمعاً يتميز بتعدد الأعراق دون توترات عنصرية تذكر. وما يحدث الآن أن المهاجرين الذين يمثلون ما يقرب من مليوني ساكن، من إجمالي أكثر من عشرة ملايين مواطن، يشكلون قوة عمل مهمة لا غنى عنها في القطاعات الحيوية مثل الزراعة والسياحة والبناء وبذلك يعوضون النقص الكبير في اليد العاملة داخل مجتمع أغلبه يتجه إلى الشيخوخة حيث يقل عدد الشباب هنا عن 13% من إجمالي عدد السكان.
وعندما تقترب من الشعب البرتغالي تجده يمتلك كبرياءً مرتبطاً بتاريخه الطويل وفخراً تجاه حضارته العريقة، ولكنه ممزوج أيضاً بتواضع جمٍّ وهذا ما يميزه عن شعوب أوروبية أخرى لا تتحلى بالتواضع بل بالعكس لديها غرور مرضي –ما يسمى بغرور العظمة-لذلك يوصف الشعب البرتغالي بأنه الشعب الذي "يبتسم بعينيه قبل لسانه"، ولديه دائماً الرغبة في المساعدة، وقد لاحظت ذلك في احتضان العديد من العائلات للطلبة القادمين من شتى أنحاء العالم للدراسة في البرتغال حيث يسكنون معهم ويصبحون أفرادا منهم ويتبادلون الثقافات والمشاعر الدافئة، وقد يعود ذلك أيضا لقدرتهم على تقبل الآخر نظرا لوجود تاريخ طويل لديهم كبحارة ومستكشفين، مما جعل "التنوع" جزءاً من "حمضهم النووي الثقافي" إن صحّ هذا التعبير.
عاصمة عالمية بروح القرية
رغم كون لشبونة يطلق عليها الرحالة "مدينة الضوء"، وتوصف دائماً بأنها المدينة التي تعانق الشمس، حيث تترقرق خيوطها على بلاط "الكالسادا" الشهير، إلا أن الشمس خاصمت لشبونة طيلة إقامتي بها وأصبح المطر والهواء البارد صديقين رافقاني في جولاتي بلشبونة وضواحيها. وما بين وجوه السياح (30 مليون سنويا من شتى أنحاء العالم) في مختلف المزارات التي قصدتها وبين وجوه البرتغاليين شعرت بأن لشبونة عاصمة عالمية "بروح القرية"، حيث يجتمع هذا الخليط من البشر في أحيائها القديمة (مثل مراريا)، والحديثة (مثل أفينيدا دا ليبردادي) وكأنهم جزء من نسيجها منذ قرون. ويعود الفضل في هذا الانسجام إلى البرتغاليين الودودين بطبعهم كما يتحلون بابتسامة على الوجوه ودفء إنساني انقرض تقريبا من ملامح غالبية شعوب الدول الأوروبية التي يغلب عليها التجهم والقلق!
وسوف تستمتع مثلما استمتعتُ لو جربت زيارة أحياء قديمة مثل ألفاما(Alfama) وكاستيلو (Castelo)، وستجد مطاعم صغيرة ومتميزة تقع في أزقة ضيقة وضعت جزءا من طاولاتها تحت شجرات تظلل المكان المرتفع نسبيا ويكون الوصول إليها تجربة ممتعة سواء مشياً على الأقدام أو عبر عربات "التوك توك".
.jpg)
الأخطبوط والسردين على أنغام الفادو
كانت وجهتي مطعما في أعلى تلة لشبونة، بجوار القلعة(Castelo)، واخترت جلسة خارجية رغم الرذاذ حتى أستمتع بمنظر علوي بديع للمباني ويحيطني الحمام الزاجل والتوك توك الكهربائي المزركش بألوان زاهية ويتخذ هناك محطة رئيسية لجولاته. يقدم المطعم المأكولات البحرية والأطباق البرتغالية التقليدية وقد أعجبني "طبق أرز بالمأكولات البحرية" والأخطبوط المشوي. وفي المرة الثانية، اخترت تجربة "التاسكا" (Tasca) وهو مطعم محلي بسيط متخصص في "التاباس" يقدم طعاماً برتغالياً أصيلاً بأسعار معقولة ويشتهر بطبق الجبن الذائب المحليّ وسلاطة التونة والسردين المشوي وتتميز المنطقة بجوها التاريخيّ وتفتح شهية السائح للطعام الأصيل مع موسيقى الفادو التقليدية بينما هناك في كل ركن معرض فني مفتوح و"تراسات" توفر إطلالات جميلة.
ومن الملاحظ وجود حركة واسعة لترميم المنازل القديمة مع الحفاظ على شكلها المعماري الأصيل وأبوابها الخشبية البديعة وشبابيكها التي تمزج بين الخشب الأزرق اللون والحديد المشغول بإبداع الصانع الفنان بالفطرة والذي يشبه شكله المشربية الخشبية ذات الزخرف العربي.
المثلث الذهبي وجهة المتقاعدين والمبدعين
هناك مدن أخرى جميلة ولا تقل عراقة عن لشبونة وضواحيها، مثل مدينة بورتو، وهي تعكس بدورها عراقة حضارة النهر حيث يكسو مبانيها الخزف الأزرق (الأزوليجو) ويضفي شاعرية بلمسة من الجمال الكلاسيكي. ويتصدر الجنوب الذهبي أيضا وجهة المتقاعدين والمبدعين والفنانين ويوصف بأنه جنة للزائرين حيث تلتقي المنحدرات الصخرية الذهبية مع مياه المحيط الأطلسي الفيروزية.
ولم أكن أعرف شيئا كثيرا عن منطقة الغارف (Algarve) حتى تحدثت مع مجموعة من الأميركيين جاؤوا من سان فرانسيسكو ويسكنون حاليا المنطقة الأكثر فخامة وشهرة في جنوب البرتغال واسمها المثلث الذهبي (The Golden Triangle)، وشرحوا كيف اختاروا -وهم ثلاث أزواج وجميعهم أصدقاء-شراء بيوت قريبة من شاطئ يقع بين كوارتیرا وفالي دو لوبو بعدما شاهدوا فيلما عن المنطقة في إحدى المحطات الأمريكية المحلية، فتحمسوا وذهبوا إلى (Praia do Almargem )، حيث تلتقي مياه النهر بالبحر. وقرروا أن يقضوا حياتهم المقبلة بعد حصولهم على التقاعد في هذه المنطقة الرائعة حيث المناظر الطبيعية ساحرة مع أمان بدرجة عالية، وبالجوار هناك محمية "ريا فورموزا" الطبيعية وجسر خشبي طويل فوق البحيرة إضافة الى وجود كافة الخدمات الضرورية للعائلات بأسعار معقولة مع أنشطة بنادي اليخوت وألعاب مائية داخل الميناء ومعارض فنية. وقد شجعوني على زيارة هذه المنطقة التي تجذب حاليا المزيد من السياح والمهاجرين الأثرياء، خاصة القادمين من القارة الأمريكية شمالا وجنوبا والباحثين عن الاستقرار والرفاهية.مع الأسعار التنافسية!











02/13/2026 - 12:49 PM





Comments