رشيد ج. مينا
دفع لبنان إلى مفاوضات مع العدو الإسرائيلي لإنهاء الحرب أو لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، والبحث في الانسحاب وتبادل الأسرى. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه:
هل هذا فعلًا هو الهدف من المفاوضات وفق الرؤية الأمريكية؟ أم أن المقاصد أوسع وأبعد، وتشكل جزءًا من المخطط الإسرائيلي التوسعي المدعوم أمريكيًا، والهادف إلى إعادة صياغة المنطقة ضمن إطار «السلام الإبراهيمي» وتصفية القضية الفلسطينية نهائيًا؟
ما يُراد للبنان ليس سلامًا مبنيًا على العدل والحق، بل استسلامًا مغطّى بشعارات السلام. فكيف يمكن الحديث عن سلام في ظل غياب تكافؤ القوى؟ وأين هو الدعم العربي الفعلي للبنان في هذه اللحظة المصيرية؟ إن ما يُراد تحقيقه ليس إنهاء حرب، بل فرض تسوية تعطي لإسرائيل ما عجزت عن نيله بالقوة، وتُدخل لبنان في منظومة الخضوع والهيمنة الجديدة.
لا شك أن القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع، وأن كل ما يجري في المنطقة من مفاوضات وتسويات يأتي في سياق محاولات تصفيتها. فإسرائيل لا ترى في «السلام» سوى أداة لتثبيت تفوّقها العسكري والسياسي والاقتصادي، بينما يترجم الدعم الأمريكي غير المحدود سياسة تهدف إلى تثبيت «إسرائيل الكبرى» وتوسيع مجال نفوذها على حساب العرب ودولهم.
لكن ذلك لا يعني تبرير استمرار السلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية. فالمقاومة التي كانت يوماً رمزًا للدفاع عن الوطن، انحرفت عن أهدافها عندما ارتبطت بولاءات خارجية وتحولت إلى أداة في يد إيران، تُستخدم وفق مصالحها الإقليمية. بهذا، ضاع المفهوم الوطني للمقاومة، وتحوّل شعار «عدم الاستسلام» إلى غطاء لمشاريع لا تمتّ بصلة إلى المصلحة اللبنانية.
إنّ ما يُطلب اليوم من لبنان تحت مسمى «السلام» هو في جوهره إلغاء لمفهوم الدولة وتفريغ لسيادتها. السلام الحقيقي لا يُبنى على الضعف، بل على الحق والعدالة، وتحميه القوة لا التبعية. لذلك فإنّ الطريق إلى الأمن والاستقرار لا يمرّ عبر اتفاقات مفروضة، بل عبر الوحدة الوطنية التي تجمع اللبنانيين حول دولتهم ومؤسساتهم، وتمنح الجيش الشرعية والقوة لحماية الحدود والقرار.
لبنان لا يحتاج إلى «مفاوض يرفع الراية البيضاء»، بل إلى موقف وطني جامع، يعيد بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويؤمن مقومات الصمود في وجه العدوان. فالمعركة اليوم لم تعد عسكرية فحسب، بل سياسية واقتصادية وثقافية. ويجب أن تكون المواجهة عبر تثبيت القرار اللبناني المستقل، ودعم عربي حقيقي يعيد للبنان دوره ومكانته، لا منّةً ولا وصاية.
أما «السلام» بين الضحية والجلاد، بين المحتل والمغتصَب، بين القاتل والمقتول، فهو خداع سياسي لا يقود إلا إلى مزيد من التبعية والانهيار. فالسلام لا يكون إلا على أساس العدل وتكافؤ الفرص والقوة التي تحميه. وهذا ما لا يمكن أن يتحقق في ظل الواقع اللبناني الراهن، ما لم تُستعاد الدولة بمؤسساتها وهيبتها، ويُعاد بناء الثقة بين اللبنانيين على قاعدة الحقّ والمصلحة الوطنية العليا.











02/13/2026 - 12:15 PM





Comments